تحليل البيانات الرقمية... مدخل لتجويد أداء الإدارة القضائية
البيانات الرقمية والذكاء الاصطناعي كأفق جديد لتحديث الإدارة القضائية
عرفت البشرية، عبر مسار تطورها التاريخي، تحولات كبرى غيرت أنماط العيش والتنظيم والفكر، من الثورة الزراعية إلى الصناعية وصولا إلى الثورة التكنولوجية القائمة على الحاسوب والشبكة العنكبوتية، التي مهدت لقيام عالم معولم، وفي امتداد هذا المسار، تندرج قراءة إسماعيل البطار، رئيس شعبة نجاعة القضاء المدني، لمرحلة مفصلية جديدة تتمثل في ثورة البيانات، بما تحمله من إمكانات غير مسبوقة لإنتاج المعرفة وإعادة تشكيل علاقة الإنسان بالاقتصاد والسياسة والعلم.
وفي هذا السياق، يرى رئيس شعبة نجاعة القضاء المدني أن البيانات أضحت ركيزة حضارية قائمة على استجماع المعطيات الضخمة وتحليلها بوسائط متقدمة، في مقدمتها الذكاء الاصطناعي، وضمن هذا الأفق، يبرز تحديث الإدارة القضائية كخيار استراتيجي لمواكبة التحولات التكنولوجية المتسارعة، مع الترصيد للأوراش التي راكمتها المملكة المغربية في مجال التحول الرقمي لمنظومة العدالة.
التحول الرقمي لمنظومة العدالة وتراكم المعطيات القضائية
يكشف تتبع المسار العملي، كما يقدمه إسماعيل البطار، عن حصيلة من الإنجازات النوعية التي تعكس استجابة فعلية للتحولات التكنولوجية العميقة التي يشهدها العالم المعاصر، وتؤكد في الآن ذاته حرص منظومة العدالة بالمملكة المغربية على مواكبة هذا التطور ضمن رؤية إصلاحية متدرجة، ويأتي في مقدمة هذه الإنجازات تعميم النظام المعلوماتي S@J2 على مختلف محاكم المملكة، إلى جانب توسيع نطاق الخدمات الرقمية الموجهة للمرتفقين والمتقاضين.
وقد تجلت آثار هذه الدينامية الرقمية، من جهة أولى، في تسريع وتيرة معالجة القضايا، وتعزيز فعالية الأداء القضائي، وتمكين القضاة والأطر القضائية والإدارية من أدوات عمل حديثة وناجعة تساعدهم على تدبير القضايا وتتبعها بشكل أكثر دقة وانتظاما، ومن جهة ثانية، أفضت هذه التحولات إلى مراكمة حجم غير مسبوق من البيانات القضائية الرقمية ذات الطابع الهيكلي، تشمل الملفات والإجراءات والمقررات القضائية والأحكام القطعية والنهائية، سواء بالنسبة لمحاكم الدرجة الأولى أو محاكم الدرجة الثانية.
وفي هذا الإطار، تعكس المؤشرات الرقمية حجم هذا التحول بجلاء، فبعد أن كانت قاعدة بيانات نظام S@J تتضمن، إلى حدود سنة 2015، 1.104.068 قضية و6.676.255 إجراء ومقررا قضائيا، تضاعفت هذه الأرقام بشكل لافت عبر توالي السنوات، لتصل إلى ما يفوق 37.534.433 قضية و127.479.356 إجراء ومقررا قضائيا إلى حدود 26 نونبر 2025.
تحليل البيانات والمؤشرات القضائية كمدخل لفهم أداء المحاكم
انطلاقا من هذا الرصيد الواسع من المعطيات، تتأسس رؤية حديثة للإدارة القضائية تقوم على الفهم العميق والشامل لنشاط المحاكم، من خلال اعتماد أدوات تحليل البيانات المتقدمة التي توظف الرياضيات وعلوم الإحصاء، إلى جانب خوارزميات الحساب والتحليل الرقمي، مدعومة بقدرات الخوادم الآلية القادرة على معالجة ملايين العمليات الحسابية خلال ثوان معدودة، ويفضي هذا المنهج العلمي إلى استخلاص مؤشرات دقيقة تعكس واقع اشتغال المحاكم، وتتيح تشخيص مكامن القوة والقصور على حد سواء.
وفي هذا الصدد، يندرج مفهوم المؤشر باعتباره آلية علمية لقياس جزئيات محددة من العمل القضائي، من قبيل وتيرة تصفية القضايا، ونسبة تنفيذ الأحكام، ومتوسط آجال البت، ومعدلات الإنتاجية الفردية، وتتبع تحرير الأحكام، غير أن الاقتصار على مؤشر واحد يظل غير كاف لتكوين صورة متكاملة عن أداء المرفق القضائي، وهو ما يستدعي، حسب رئيس شعبة نجاعة القضاء المدني، تجميع حزمة من المؤشرات ضمن إطار تركيبي جامع يتمثل في لوحة القيادة.
لوحة القيادة والمنظومة المندمجة لتتبع النجاعة القضائية
تمثل لوحات القيادة، أداة استراتيجية لعرض المؤشرات داخل واجهة موحدة تجمع بين الوضوح والدقة والشمول، وتتيح استيعاب الوضعية العامة للمحاكم وتعميق فهم دينامية تطور أدائها، وقد أسهم التطور التكنولوجي في توسيع وظائف هذه اللوحات، سواء من حيث تحليل البيانات الضخمة أو من حيث تمثيلها بصريا عبر رسوم بيانية وجداول ديناميكية وخطاطات تفاعلية، بما ينسجم مع طبيعة الإدراك البشري القائم على استجلاء الأنماط والعلاقات من خلال الصورة.
وتجسيدا لهذا التوجه، أطلق المجلس الأعلى للسلطة القضائية مشروع المنظومة المندمجة لتتبع النجاعة القضائية، باعتباره ورشا استراتيجيا يهدف إلى قياس مؤشرات النجاعة والفعالية وتتبع أداء المحاكم، وقد جرى تطوير هذه المنظومة في الإطار العام الذي يؤطره رئيس شعبة نجاعة القضاء المدني، اعتمادا على خوارزميات ذكية قادرة على استيعاب الكم الهائل من المعطيات القضائية، واستخلاص المؤشرات المعتمدة، وتجميعها ضمن لوحات قيادة رقمية ديناميكية وتفاعلية، تتيح تحليل وضعية محاكم الدرجتين الأولى والثانية.
وقد تم إنجاز هذا المشروع وفق مقاربة علمية وهندسية دقيقة، منفتحة على الممارسات الفضلى المعمول بها دوليا، ولا سيما توصيات اللجنة الأوروبية لنجاعة العدالة (CEPEJ)، مع استحضار خصوصيات الإدارة القضائية بالمملكة المغربية والتوجهات المؤطرة بالمخطط الاستراتيجي للمجلس 2021–2026، وعلى هذا الأساس، أسندت مهمة تتبع المؤشرات وتحليلها للأقطاب القضائية، بما يمكن المجلس من الاضطلاع باختصاصاته في تتبع سير العدالة وتشخيص أوضاعها واقتراح حلول تسهم في الارتقاء بفعاليتها.
من تتبع الأداء إلى حكامة البيانات وآفاق إصلاح منظومة العدالة
اتسع نطاق الاستفادة من المنظومة ليشمل المسؤولين القضائيين، عبر تطوير لوحات قيادة إضافية توضع رهن إشارتهم لمساعدتهم على تتبع نشاط المحاكم التي يشرفون عليها، وتقييم نجاعة أدائها ورصد مكامن الخلل، انسجاما مع ما نص عليه الإجراء 44 من المخطط الاستراتيجي.
غير أن وفرة البيانات قد تفضي إلى ما يعرف بالتخمة المعلوماتية (Infobésité)، وهي وضعية تصبح فيها كمية المعطيات المتاحة أكبر من القدرة على قراءتها واستيعابها بشكل فعال، ووعيا بهذه الإشكالية جرى تعزيز المنظومة بمحركات بحث متقدمة تكمل لوحات القيادة الإحصائية، وتركز على تتبع الملفات المزمنة، والمقررات المؤجلة، وتحليل المسارات الإجرائية لكل حالة على حدة.
كما حظي تصميم واجهات الاستخدام باهتمام خاص، لتتيح الانتقال السلس من الإحصائيات العامة إلى التفاصيل الدقيقة للملفات والإجراءات، بما يوفر المعلومة المفيدة دون إغراق ويجنب الوقوع في ظاهرتي التخمة المعلوماتية والتشويش الناتج عن تضخم المعطيات غير الموجهة.
وضمن مسار تطوير مستمر، يواصل المجلس الأعلى للسلطة القضائية تطوير هذه المنظومة بشكل مستمر، عبر إضافة مؤشرات جديدة وآليات تحليلية متقدمة، مع إيلاء أهمية قصوى للتحول الرقمي الشامل، وحوكمة البيانات، وضمان جودتها، إلى جانب الاستثمار في الرأسمال البشري القادر على قراءة المؤشرات وفهم دلالاتها وتحويلها إلى تشخيصات عملية.
What's Your Reaction?
Like
0
Dislike
0
Love
0
Funny
0
Angry
0
Sad
0
Wow
0