المملكة المغربية والتعاون القضائي الإفريقي.. شراكة استراتيجية من أجل تطوير عدالة القارة
تعاون إفريقي
المملكة المغربية والتعاون القضائي الإفريقي.. شراكة استراتيجية من أجل تطوير عدالة القارة
يشهد الفضاء الإفريقي تحولا متناميا في مقاربة قضايا العدالة، حيث لم يعد تطوير المنظومات القضائية رهين المبادرات الوطنية المنعزلة، بل أضحى مرتبطا بتفاعل التجارب المؤسسية وتقاطعها، في أفق بناء تعاون قضائي قائم على تقاسم الخبرات، وفي هذا الإطار، برزت بعض التجارب الوطنية القادرة على تحويل هذا التفاعل إلى مسار عملي وملموس. وفي قلب هذه الدينامية، برز المغرب كفاعل مركزي في التعاون القضائي الإفريقي، استطاع، بفضل رؤيته الإصلاحية وخياراته المؤسساتية الواضحة، أن يتحول إلى شريك موثوق يمد جسور التكوين وتقاسم الخبرات نحو الدول الشقيقة، ويسهم في بناء عدالة إفريقية أكثر انسجاما وقدرة على مواكبة التحولات المتسارعة. فالتعاون القضائي جنوب جنوب بين الدول الإفريقية غدا خيارا إستراتيجيا نابعا من إدراك مشترك لحجم التحديات التي تواجه منظومات العدالة في القارة، ومن قناعة جماعية بأن إرساء عدالة إفريقية فعالة يمر عبر توحيد الجهود، وتبادل التجارب، وبناء شراكات مؤسساتية مستدامة.
المجلس الأعلى للسلطة القضائية يستعرض تجربته للدول الإفريقية
كشفت الزيارات والاستقبالات رفيعة المستوى التي احتضنها المجلس الأعلى للسلطة القضائية خلال سنة 2023 عن سلسلة من المحطات ذات الدلالات عميقة التي تعكس الدور المحوري للمغرب داخل إفريقيا في مجال العدالة، وحرصه على تطوير تعاون جنوب-جنوب عملي وممتد.
وكانت أولى هذه المحطات استقبال الرئيس الأول لمحكمة النقض يوم 17 فبراير 2023، للسيد محمدو منصور مباي، الرئيس الأول للمحكمة العليا في جمهورية السنغال والوفد المرافق له، وهي زيارة أعادت إحياء الاتفاقية الموقعة بين المؤسستين القضائيتين منذ سنة 2007، وفتحت الباب لتفعيل مضامينها عبر برامج تكوين مشتركة وتبادل للخبرات، خاصة في مجالات تحديث المحاكم ورقمنة العدالة. كما أتيح للوفد السنغالي الاطلاع عن قرب على التجربة المغربية في مسار استقلال السلطة القضائية، وهو مسار يكتسي أهمية خاصة في سياق الإصلاحات التي تشهدها العديد من الدول الإفريقية.
وتواصلت هذه الدينامية باستقبال النائب العام ورئيس المجلس الأعلى للنيابة العامة بجمهورية الرأس الأخضر، الذي كان مرفوقا بوفد قضائي رفيع المستوى. وقد شكل اللقاء الذي انعقد يوم 14 ماي 2023 مناسبة للتعريف بالتجربتين القضائيتين في البلدين، وتبادل الممارسات الفضلى في تحديث النيابة العامة، والرقمنة، والتفتيش القضائي، إضافة إلى الاتفاق على تعزيز التواصل المؤسساتي عبر تنظيم ندوات وتكوينات مشتركة وبرامج لتبادل الزيارات. واتسم النقاش بوضوح رؤية الطرفين لضرورة الانتقال من التعاون الإطاري إلى تنزيل فعلي يثمر مشاريع مشتركة قابلة للقياس والاستمرارية.
وفي سياق توسيع هذا المسار، زارت وزيرة العدل بجمهورية الرأس الأخضر المجلس الأعلى للسلطة القضائية يوم 19 يونيو 2025، في مناسبة حملت بعدا يعكس الإرادة السياسية لتعزيز التعاون الثنائي.
وقد خصص اللقاء لعرض الرؤية الإصلاحية المغربية في تحديث العدالة، حيث استعرض الرئيس المنتدب التجربة المغربية في ترسيخ استقلال السلطة القضائية وتطوير البنية الإدارية للمحاكم، إضافة إلى برامج التكوين المستمر التي تعد اليوم إحدى أهم مرتكزات تحديث العدالة. ولم يكن هذا اللقاء مجرد تعريف بمسار التجربة المغربية، بل نقاش عملي حول كيفية مرافقة الرأس الأخضر في مسار إصلاح منظومتها القضائية، بما يؤسس لشراكة قائمة على نقل الخبرة وتطوير ممارسات مشتركة، ويؤكد رغبة البلدين في بناء مسار مؤسساتي مندمج ومتعدد المستويات في مجال العدالة. وفي أفق توسيع نطاق التعاون جنوب- جنوب، جاءت زيارة الوفد النيجيري يوم 23 شتنبر 2025 السيد محمد بابادوكو أبوبكار، مدير المتابعات العمومية بجمهورية نيجيريا، لتؤكد أن المغرب أصبح اليوم مرجعا قاريا في إصلاح العدالة حيث ناقش الطرفان آفاق النجاعة القضائية، والتحول الرقمي، وتطوير التكوين القضائي مع التركيز على التحديات المشتركة المرتبطة بمكافحة الجريمة المنظمة والملفات العابرة للحدود وهي قضايا تستدعي تعاونا قضائيا عميقا يتجاوز آليات التقاضي التقليدية نحو بناء شبكات مؤسساتية إفريقية قادرة على المواكبة. كما شدد الطرفان على ضرورة الاستثمار القانون. في تطوير مهارات القضاة، باعتبار العنصر البشري أساس كل إصلاح، وهو ما جعل برامج التكوين المشتركة تحظى بحيز واسع في النقاشات.
كما شكلت الزيارة الرسمية للوفد الكيني مناسبة جديدة لإبراز الدور المتقدم للمغرب في مجال العدالة الرقمية. فقد وقف الضيوف على المشاريع المغربية الرامية إلى رقمنة الإجراءات القضائية وتطوير النظم المعلوماتية التي تضمن شفافية المساطر وسهولة الولوج إلى المعلومة.
وهي مقاربة تتجاوز تحسين الأداء الإداري لتصبح رافعة لتعزيز الثقة بين المواطن والقضاء، وما يزيد هذه الدينامية قوة هو أن الرقمنة أضحت جزءا أساسيا من رؤية إصلاحية تهدف إلى جعل العدالة أكثر سرعة وفعالية.
ولم يكن التعاون مع موريتانيا بعيدا عن هذا التوجه حيث ناقش الجانبان فرص تطوير البنية القضائية الموريتانية مع التركيز على التكوين وتبادل الخبرات التقنية في انسجام مع رؤية مشتركة تؤمن بأن تحديث العدالة هو شرط اساسي لتحقيق التنمية وإرساء دولة القانون.
إن تحليل هذه الدينامية يكشف أن التجربة المغربية في التعاون القضائي الإفريقي تقوم على ثلاث ركائز مترابطة الأولى تتعلق بترسيخ استقلال السلطة القضائية، وهو خيار استراتيجي أثبت المغرب من خلاله أن بناء قضاء مستقل يتجاوز الإعلانات والشعارات المؤسساتية ليصبح ممارسة يومية تتطلب حماية القضاة من كل أشكال الضغط، وتحويل استقلاليتهم إلى ضمانة للحقوق وحماية للحريات.
أما الركيزة الثانية فتتمثل في الاستثمار في تكوين القضاة باعتبار أن تأهيلهم للتعامل مع الملفات المستجدة من الجرائم الاقتصادية والبيئية إلى النزاعات ذات الطابع الرقمي يشكل العمود الفقري لأي تحول قضائي فعال داخل إفريقيا.
والركيزة الثالثة هي تبني التحول الرقمي كخيار استراتيجي، وهو ما يجعل المغرب اليوم نموذجا قادرا على مساعدة شركاته في وضع أسس محاكم إلكترونية عصرية تسهل الولوج إلى العدالة وتحد من البيروقراطية وتضع المواطن في صلب العملية القضائية.
ولا يقف أثر هذا التعاون عند تحسين الأداء المؤسساتي، لكنه يمتد ليعزز الأمن القانوني والاقتصادي داخل القارة من خلال توحيد المبادئ العامة للعدالة بين الدول، وتطوير آليات مشتركة للتعامل مع التحديات العابرة للحدود، مثل الإرهاب والجريمة المنظمة والفساد.
فالتعاون القضائي، كما يظهر من مختلف الأمثلة يتعدى أن يكون واجبا مهنيا بل خيارا تنمويا يربط العدالة بالمجتمع ويجعلها رافعة للتنمية المستدامة وحامية للثروات الطبيعية وضامنة لحقوق الإنسان.
هكذا يتضح أن المغرب لا يكتفي بتقاسم خبرته بل يسهم في تشكيل رؤية قارية جديدة تؤمن بأن تحديث العدالة لا يتحقق إلا بالشراكات وبأن استقلال القضاء لا يكتمل إلا في إطار تعاون إفريقي قادر على مواجهة تحديات مشتركة برؤية مشتركة. ومع استمرار هذه الدينامية تبدو القارة أمام فرصة تاريخية لبناء فضاء قضائي إفريقي مستقل فعال وحديث يكون فيه المغرب حجر الزاوية ورافعة أساسية لتحقيق طموحات شعوبها في العدالة والكرامة والتنمية.
What's Your Reaction?
Like
0
Dislike
0
Love
1
Funny
0
Angry
0
Sad
0
Wow
0