العقوبات البديلة من الإصلاح التشريعي إلى التنزيل القضائي

Feb 12, 2026 - 15:29
Feb 16, 2026 - 10:01
 0  7
العقوبات البديلة من الإصلاح التشريعي إلى التنزيل القضائي

القانون رقم 43.22 منعطف تشريعي في السياسة العقابية

شكل إقرار القانون رقم 43.22 المتعلق بالعقوبات البديلة نقطة تحول مفصلية في مسار السياسة العقابية ببلادنا، مؤسسا لمرحلة جديدة تروم تجاوز الإشكالات البنيوية المرتبطة بارتفاع الساكنة السجنية وتضخم نسب الاعتقال الاحتياطي و معالجة ظاهرة العود إلى الجريمة، بالإضافة إلى  تحقيق النجاعة الاقتصادية عبر ترشيد النفقات العمومية، وتقويم سلوك المدانين وفق فلسفة تأهيلية حديثة تجعل من العقاب آلية لإعادة  الاندماج الاجتماعي بدل ترسيخ هيمنة العقوبات السالبة للحرية.

والجدير بالذكر أنه في سبيل حسن تنزيل مقتضيات هذا القانون ومرسومه التطبيقي، انخرط المجلس الأعلى للسلطة القضائية في سلسلة من الجهود الحثيثة، متخذا كافة التدابير الاستباقية اللازمة لتنفيذ قانون العقوبات البديلة بتنسيق وثيق مع كافة المتدخلين، وقد حرص المجلس على مواكبة العمل والأداء القضائي في هذا المجال منذ اللحظات الأولى، لضمان انتقال سلس وناجع من النص التشريعي إلى الواقع العملي.

تنسيق مؤسساتي محكم لتنزيل قانون العقوبات البديلة

في سياق الإعداد القبلي لتنزيل وضمان التطبيق السليم والفعال لمقتضيات قانون العقوبات البديلة، عمل المجلس الأعلى للسلطة القضائية على المشاركة بشكل فعال ويقظ في كافة الاجتماعات التنسيقية المركزية التي مهدت الطريق لدخول القانون حيز التنفيذ.

وارتباطا بهذا السياق شارك المجلس  في الاجتماع الأول للجنة القيادة الذي ترأسه السيد رئيس الحكومة يوم 20 نونبر 2024، حيث ساهم إلى جانب القطاعات الحكومية  في رسم خريطة الطريق وتشكيل اللجان الموضوعاتية الأربع والتي تتكون:

·       اللجنة المكلفة بإعداد النصوص التنظيمية؛

·       اللجنة المكلفة بعقوبة العمل من أجل المنفعة العامة وباقي العقوبات البديلة؛

·       اللجنة المكلفة بالتنزيل القضائي للعقوبات البديلة؛

·       اللجنة المكلفة بعقوبة المراقبة الإلكترونية.

وتواصل هذا الحضور في اجتماع تتبع التنزيل بتاريخ 03 أبريل 2025، حيث قدم السيد رئيس قطب القضاء الجنائي عرضا مفصلا حول الخطوات الاستباقية المتخذة من قبل المجلس.

وقد أثمرت هذه الجهود تجويد مشروع المرسوم التطبيقي وحسم إشكالات قانونية وتقنية دقيقة كانت محل نقاش، أبرزها تحديد الجهة المتحملة لمصاريف السوار الإلكتروني، واختيار العرض الأنسب لتوفير هذه التجهيزات عن طريق الكراء، فضلا عن إرساء المنصة الوطنية للمراقبة الإلكترونية التي شرعت في العمل فعليا منذ غشت 2025.

إعداد الوثائق المرجعية لتأطير العمل القضائي

ترسيخا لمتطلبات الأمن القضائي وما يفرضه توحيد الفهم وحسن تطبيق النصوص القانونية الجديدة، قام المجلس الأعلى للسلطة القضائية، بمجهود علمي مؤسساتي لتوفير العدة المعرفية اللازمة للقضاة، من خلال إصدار مؤلف الشرح العملي لقانون العقوبات البديلة ومرسومه التطبيقي.

هذا الإصدار النوعي، الذي وزعت نسخ منه على الرؤساء الأولون لمحاكم الاستئناف قصد تسليمها إلى قضاة تطبيق العقوبات وقضاة هيئات القضاء الزجري، لم يكتف بالشرح النظري للنصوص القانونية، بل تضمن تحديدا دقيقا للاختصاصات والآجال، معززا بنماذج استئناسية للأحكام والمقررات التنفيذية الممكن إصدارها بشأن مختلف أنواع العقوبات البديلة، والتي تضمنت منطوق الأحكام القضائية ومشتملات المقررات التنفيذية، إضافة إلى تحضير نموذج سجل تتبع تنفيذ العقوبات البديلة، حيث تم اقتراح نموذج لسجل مرجعي يهدف إلى توثيق وتتبع مسار تنفيذ العقوبات البديلة، مما وفر للممارسين أدوات عمل جاهزة تضمن النجاعة القضائية.

التكوين والتحسيس كرافعة لإنجاح التنزيل القضائي

قام المجلس بالانخراط في ورش التكوين والتحسيس، حيث نظم وشارك في سلسلة من الدورات التكوينية والأيام الدراسية في كل من طنجة، والدار البيضاء، والرباط، ومن أبرز هذه المحطات، اللقاء التواصلي الوطني حول القانون رقم 43.22 المتعلق بالعقوبات البديلة الذي انعقد بمدينة  بالرباط في 30 أبريل 2025، وكذا اللقاء التفاعلي مع قضاء تطبيق العقوبات الفرنسي في 14 يوليوز 2025، الذي شكل فرصة لتبادل الخبرات والاطلاع على الممارسات الفضلى المقارنة.

آليات المواكبة الميدانية وضمان استمرارية المرفق القضائي

واكب المجلس عملية التنفيذ الميداني من خلال  إحداث آليات تتبع دقيقة لضمان استمرارية المرفق القضائي وتجاوز الصعوبات العملية التي قد تعترض القضاة في بداية تطبيق القانون.

فقد تم إحداث ديمومة خاصة داخل قطب القضاء الجنائي لتلقي الإشكالات التي قد تواجه قضاة تطبيق العقوبات وقضاة الهيئات الزجرية، مع الحرص على التفاعل الفوري معها وتقديم أجوبة استئناسية بما لا يمس استقلال القضاة ، ومواصلة المواكبة طيلة الأسابيع الأولى من دخول القانون حيز التنفيذ.

التنسيق المؤسساتي لمعالجة الإكراهات العملية

في إطار تعزيز التنسيق المؤسساتي لمعالجة الإكراهات تم إحداث لجنة مركزية مشتركة مع رئاسة النيابة العامة ووزارة العدل والمندوبية العامة لإدارة السجون، عقدت اجتماعات دورية لمعالجة الإشكالات الآنية التي اعترضت تنفيذ الأحكام الأولى، وتم الاتفاق خلالها على ضرورة تعيين مخاطبين من قضاة تطبيق العقوبات وممثلي النيابة العامة بالمحاكم للتنسيق مع مدراء المؤسسات السجنية بشأن الإشكالات التي تعترض القضاة في بداية تطبيق القانون.

ولضمان التنزيل الأمثل، قام المجلس بتعبئة المسؤولين القضائيين لتنظيم الرخص الإدارية خلال العطلة الصيفية بشكل يضمن التواجد المستمر لقضاة تطبيق العقوبات بالمحاكم، مما مكن من التوقيع على السجلات فور التوصل بها وتلقي الطلبات ذات الصلة.

مؤشرات أولية لتوزيع العقوبات البديلة...قراءة في الأرقام

لتقييم حصيلة المرحلة الأولى من التنزيل رصد المجلس الأعلى للسلطة القضائية معطيات إحصائية دقيقة تكشف توجهات السياسة العقابية الجديدة فقد بلغ في الفترة ما بن 22 غشت إلى 07 نونبر2025 ، عدد الأحكام الصادرة بعقوبات بديلة 591 حكما، تضمنت ما مجموعه638 عقوبة بديلة، موزعة على الشكل التالي:

·                    296 عقوبة قضت بأداء الغرامة اليومية؛

·                    168 عقوبة قضت بالعمل لأجل المنفعة العامة؛

·                    166 عقوبة بتقييد بعض الحقوق أو فرض تدابير رقابية أو علاجية؛

·                    8 عقوبات تتعلق بالمراقبة الإلكترونية.

وبخصوص توزيع هذه العقوبات، واستنادا إلى دراسة تحليلية دقيقة، سجل المجلس الأعلى للسلطة القضائية جنوح المحاكم نحو إقرار عقوبة الغرامة اليومية التي تصدرت المشهد بنسبة % 67.39 ، متبوعة بعقوبة العمل لأجل المنفعة العامة بنسبة20.65% ، ثم عقوبة تقييد بعض الحقوق أو فرض تدابير رقابية أو علاجية أو تأهيلية بنسبة % 10.86 ، في حين ظلت عقوبة المراقبة الإلكترونية محدودة جدا ولم تتجاوز % 1، ويعزى هذا التفاوت، حسب الدراسة التحليلية للمجلس، إلى سهولة تنفيذ الغرامة اليومية والعمل لأجل المنفعة العامة مقارنة بالإقبال الضعيف على اختيار عقوبة المراقبة الإلكترونية أو السوار الإلكتروني.

وعلى المستوى الاجتماعي، فقد رصد المجلس معطيات في غاية الأهمية بناء على الدراسة التحليلية للعينة المحكوم عليها، فالغالبية العظمى من المستفيدين ينتمون للفئة العمرية الشابة (35 - 20 سنة) أما مهنيا، فقد شكل العاطلون عن العمل نسبة46.34% ، والعمال والمياومون وأصحاب الحرف التقليدية البسيطة نسبة42.68% ، و% 4.87 من التلاميذ والمتدربون بالتكوين المهني، و % 4.86 من المستخدمين والأجراء، و% 1 من عينة الموظفين. 

What's Your Reaction?

Like Like 0
Dislike Dislike 0
Love Love 0
Funny Funny 0
Angry Angry 0
Sad Sad 0
Wow Wow 0