من الرباط إلى باريس.. مسار دبلوماسي قضائي يرسخ مكانة المغرب داخل الفضاء الفرنكفوني
يشكل التعاون القضائي داخل الفضاء الفرنكفوني أحد أبرز تجليات الدبلوماسية القضائية الحديثة، باعتباره آلية مؤسساتية لتقريب الأنظمة القانونية، وتبادل الاجتهادات، وتعزيز الثقة المتبادلة بين المحاكم العليا في مواجهة التحديات المتزايدة التي تفرضها العولمة، والتحولات الرقمية، وتنامي القضايا العابرة للحدود. وفي هذا السياق، أضحى التنسيق بين الهيئات القضائية العليا عاملا حاسما في ترسيخ الأمن القانوني وتوحيد الرؤى حول المبادئ الكبرى التي تؤطر العدالة، وعلى رأسها استقلال القضاء وجودة الأحكام ونجاعة الأداء القضائي. ومن هذا المنطلق، تبرز جمعية المحاكم العليا التي تتقاسم استعمال اللغة الفرنسية (AHJUCAF) كإطار مرجعي للتعاون القضائي داخل الفضاء الفرنكفوني، حيث تضطلع بدور محوري في خلق فضاء مؤسساتي للحوار القضائي، وتبادل الخبرات والاجتهادات، ومواكبة التحولات التي يعرفها العمل القضائي في مختلف الدول الأعضاء.
ولا يقتصر دور الجمعية على التنسيق التقني أو تبادل الممارسات الفضلى، بل يمتد ليشمل بلورة تصورات مشتركة حول مستقبل العدالة، وتعزيز مكانة المحاكم العليا كضامن أساسي لدولة القانون وحامية للحقوق والحريات. وقد أسهمت هذه الدينامية، التي تقودها AHJUCAF، في إرساء شبكة تعاون فعالة بين الأنظمة القضائية الفرنكوفونية، تقوم على تبادل التجارب، وتثمين الاجتهادات، والانفتاح على المستجدات القانونية والمؤسساتية، بما يعزز قدرة المحاكم العليا على التفاعل مع انتظارات المجتمعات الحديثة ومتطلبات العدالة المعاصرة. كما شكلت الجمعية، عبر مسارها، فضاء لتقاطع التجارب الأوروبية مع نظيراتها الإفريقية والدولية، في أفق بناء عدالة أكثر انسجاماً وفعالية.
وفي هذا الإطار، يندرج الحضور المغربي داخل AHJUCAF ضمن رؤية استراتيجية واضحة، تجعل من التعاون القضائي رافعة لتعزيز إشعاع المملكة داخل الفضاء الفرنكفوني، وترسيخ موقعها كفاعل مؤسساتي قادر على المساهمة في النقاشات الكبرى المرتبطة بتطوير العدالة. وهو مسار يعكس انخراط المغرب في دبلوماسية قضائية نشطة، ترتكز على تقاسم الخبرة، والانفتاح على التجارب المقارنة، والمساهمة في صياغة حلول جماعية للتحديات المشتركة. وفي سياق هذا التوجه الاستراتيجي، الذي يربط بين تراكمات التجارب الأوروبية وطموحات الأنظمة القضائية في إفريقيا وباقي العالم، شكلت محطة الرباط المنعقدة أيام 2 و 3 و 4 يوليوز 2025 منعطفا حاسما في تاريخ الجمعية؛ فقد استضافت محكمة النقض المغربية المؤتمر الثامن للجمعية تحت شعار "المحكمة العليا المثالية"، بمشاركة وفود رفيعة المستوى من ما يناهز 30 دولة، في حدث تعدى الطابع البروتوكولي ليتحول إلى ورشة تفكير جماعي عميق عبر ثلاث موائد مستديرة لامست جوهر العمل القضائي، حيث انكب المشاركون في المائدة الأولى على تشريع "المكانة المؤسساتية للمحاكم العليا وضمانات استقلال القضاء"، بينما غاصت الثانية في إشكاليات "الوقاية من تضارب المصالح والرشوة، والإدارة المالية للمحاكم"، لتخلص الثالثة إلى معالجة تحديات "جودة القرارات القضائية وتعليلها وآليات نشرها والتواصل بشأنها مع المواطنين".
وقد شهد المؤتمر لحظة بارزة تمثلت في انتخاب السيد محمد عبد النباوي، الرئيس الأول لمحكمة النقض والرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، رئيسا جديدا لجمعية AHJUCAF بإجماع الدول الأعضاء. وهو ما يعكس الثقة التي تحظى بها المملكة داخل الفضاء القضائي الفرنكفوني، وتؤكد الدينامية الإصلاحية التي تعرفها منظومة العدالة المغربية تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، والتي جعلت من استقلال القضاء ورقمنة المحاكم وتطوير الإدارة القضائية مرتكزات أساسية في بناء عدالة حديثة وفعالة. تتبع هذا النجاح انعقاد الاجتماع السنوي لمكتب الجمعية يوم 27 نونبر 2025 بالعاصمة الفرنسية باريس، في أول لقاء للمكتب بعد انتخاب السيد عبد النباوي رئيسا للجمعية، وذلك بمقر محكمة النقض الفرنسية.
وقد شكل الاجتماع مناسبة لعرض حصيلة أعمال سنة 2025 وتحديد برنامج عمل لسنة 2026 يقوم على التكوين التخصصي، وتنظيم ورشات علمية حول بدائل العقوبات السالبة للحرية في الدول التي تعتمد هذه الممارسات، إضافة إلى تعزيز مساطر التفتيش القضائي الدولي في محاربة الرشوة، وتدارس آليات حماية الحقوق الأساسية في فترات الأزمات. كما تقرر تنظيم ندوة كبرى بالمملكة المغربية حول موضوع "المحاكم العليا والذكاء الاصطناعي"، بما يعكس تطلع الجمعية إلى مواكبة التحولات الرقمية الراهنة وآثارها على القضاء.
ويضم مكتب الجمعية، إلى جانب الرئيس المنتدب، رؤساء وأعضاء من محاكم عليا بفرنسا والبنين ولبنان والسنغال وسويسرا وكندا وجمهورية الكونغو الديمقراطية، وهو ما يمنح الجمعية تنوعا جغرافيا وثقافيا واسعا يعزز قدرتها على صياغة رؤى مشتركة وتبادل خبرات متقدمة.
وقد أكدت الوفود المشاركة خلال اجتماع باريس تقديرها للتجربة المغربية، معتبرة أن المملكة أصبحت نموذجا يحتذى في ترسيخ استقلال القضاء وتحديث الإدارة القضائية وتعميم نشر الاجتهادات عبر منصات رقمية متطورة. وهكذا، يتضح أن الحضور المغربي داخل AHJUCAF خلال سنة 2025 شكل مسارا متكاملا عزز موقع المملكة كفاعل رئيسي في التعاون القضائي الأوروبي والفرنكفوني، وقوة اقتراحية قادرة على قيادة النقاشات الكبرى المتعلقة بمستقبل العدالة.
ومع هذا الزخم يواصل المغرب المساهمة في بناء فضاء قضائي دولي يقوم على تبادل التجارب، وتطوير المؤسسات، وترسيخ دولة القانون داخل محيط يتغير بثبات لكنه يتطلب يقظة فكرية وإصلاحا مستمرا لضمان عدالة فعالة وذات جودة.
What's Your Reaction?
Like
0
Dislike
0
Love
0
Funny
0
Angry
0
Sad
0
Wow
0