من التشريع إلى التنزيل: رهانات إصلاح المسطرة الجنائية في ضوء رؤية قطب القضاء الجنائي بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية
أولا: تقديم الحوار:
يأتي هذا الحوار في سياق الدينامية التشريعية التي تعرفها منظومة العدالة، بعد اعتماد القانون رقم 03.23 بتغيير وتتميم قانون المسطرة الجنائية، باعتباره أكبر مراجعة عرفها هذا النص منذ دخوله حيز التنفيذ سنة 2002.
ولأجل تعميق النقاش، وتنوير الرأي القضائي والحقوقي والمهني حول فلسفة هذه التعديلات ورهانات تنزيلها على مستوى الممارسة القضائية، تستضيف مجلة السلطة القضائية السيد حكيم وردي رئيس قطب القضاء الجنائي بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية، باعتبار القطب الجنائي فاعلا مؤسساتيا مركزيا ساهم في مواكبة إعداد النص، ويتولى اليوم تنسيق الجهود الرامية إلى ضمان حسن تفعيله داخل المحاكم.
ويهدف هذا الحوار إلى بسط رؤية المجلس الأعلى للسلطة القضائية حول مستجدات المسطرة الجنائية، واستجلاء الأبعاد العملية المرتبطة بتنزيلها، وما تتيحه من إمكانات لتعزيز ضمانات المحاكمة العادلة، وصون الحقوق والحريات، والرفع من نجاعة العدالة الجنائية، في انسجام مع التوجيهات الملكية السامية، ومع روح الدستور وقيم دولة الحق والقانون.
سؤال: لنبدأ من السياق العام. كيف تقرؤون اعتماد القانون رقم 03.23 المعدل والمتمم لقانون المسطرة الجنائية؟
الجواب: بداية لا بد من التنويه بالمستوى العلمي الرفيع الذي باتت عليه مجلة السلطة القضائية وأغتنمها فرصة لأتوجه بالشكر لكل المساهمين في إعدادها.
من المعلوم أن اعتماد القانون رقم 03.23 يندرج في قلب الدينامية التشريعية التي تعرفها بلادنا منذ دستور 2011، تنزيلا لتوجيهات جلالة الملك محمد السادس نصره الله في مجال إصلاح منظومة العدالة. فنحن أمام أكبر عملية مراجعة تطال قانون المسطرة الجنائية منذ 2002، بأكثر من 420 مادة معدلة أو متمَمة.
ويمكن إدراج القانون كحلقة ضمن سلسلة إصلاحات بنيوية: إرساء المجلس الأعلى للسلطة القضائية، نقل رئاسة النيابة العامة من السلطة التنفيذية إلى الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، ثم إعادة بناء البنيات المهنية والمؤسساتية للعدالة الجنائية على أسس الاستقلال والنجاعة وضمان المحاكمة العادلة.
سؤال: ما هي الفلسفة العامة التي تحكم هذا التعديل الواسع؟ وما هي أهدافه الكبرى؟
جواب: يمكن تلخيص الفلسفة المؤطرة للقانون الجديد في ثلاث دوائر مترابطة:
1. تعزيز ضمانات المحاكمة العادلة:
باستحضار المقتضيات الدستورية، خاصة الفصل 117 الذي يحمّل القاضي مسؤولية حماية الحقوق والحريات والأمن القضائي، والفصل 120 الذي يقر الحق في محاكمة عادلة وفي حكم داخل أجل معقول.
2. تقوية حقوق الدفاع:
من خلال تقوية مؤيدات قرينة البراءة، وفرض رقابة صارمة على سلب الحرية، و ضبط مساطر البحث بنوعيه التلبسي والتمهيدي، وتنظيم وسائل الإثبات، والتدقيق في شروط الشكاية المباشرة وأثر تحريك الدعوى من طرف المتضرر على الطعون ...، وتنظيم بعض المسائل التي ظلت لسنوات محل خلاف، مثل شهادة متهم على متهم،
3. رفع نجاعة العدالة الجنائية وتحديثها:
عبر آليات جديدة كالصلح الزجري الذي جرى توسيع نطاق جرائم إعماله، والسند التنفيذي الإداري، وإيقاف سير الدعوى العمومية انسجاما مع منطق العدالة التصالحية ، ترشيد التحقيق الإعدادي، وتأطير مساطر الطعن وتوحيد الاجتهاد.
سؤال: ما هو الدور الذي اضطلع به المجلس الأعلى للسلطة القضائية في مرحلة إعداد النص وتجويد مضامينه؟
جواب: من منطلق اختصاصاته الدستورية في إبداء الرأي بخصوص مشاريع القوانين ذات الصلة بمنظومة العدالة و المحالة عليه من طرف الحكومة، وترسيخا للعلاقة المتميزة التي تربطه بوزارة العدل ساهم المجلس الأعلى للسلطة القضائية بشكل فعال إلى جانب باقي الشركاء لاسيما رئاسة النيابة العامة في تقديم ملاحظات و مقترحات تروم تجويد النص. كما شارك عبر ممثليه في جميع الاجتماعات التقنية سواء في لقاءات إفران المكثفة أو الاجتماعات المتتالية بالرباط التي عقدت على مستوى وزارة العدل والأمانة العامة للحكومة،.
ولقد سبق الاجتماعات قيام قطب القضاء الجنائي بتجميع أجوبة واقتراحات القضاة بمختلف الدوائر الاستئنافية ومحكمة النقض حول الإشكالات العملية في تطبيق قانون المسطرة الجنائية الجاري به العمل، وتحويل هذه الخبرة الميدانية إلى ملاحظات وصيغ مقترحة للتعديل. فشكلت هذه المقترحات قاعدة بيانات حقيقية أعطت لمساهمة المجلس عمقا عمليا.
سؤال: ما هي المنهجية التي اعتمدها المجلس في صياغة آرائه واقتراحاته الرسمية؟
جواب: اعتمدنا منهجية قانونية مضبوطة تقوم على ثلاث حلقات متتابعة:
1. عرض المقتضى كما ورد في مشروع التعديل، مع بيان الإشكاليات التي يثيرها نصا وتطبيقا.
2. تقديم تعليل قانوني وحقوقي متكامل لملاحظات المجلس، يستند إلى الدستور، والقانون الحالي، وما استقرت عليه محكمة النقض من اجتهادات.
3. اقتراح صياغة بديلة للإدماج في المشروع، بلغة قانونية منسجمة مع بنية النص.
وبهذه الطريقة، لم يقتصر دور المجلس على إبداء ملاحظات عامة، بل قدم «صياغة تشريعية جاهزة» متكاملة، مما سهل الوصول إلى مشروع توافقي مع باقي الفاعلين.
سؤال: ما هي أهم المحاور الموضوعاتية التي ركّزت عليها ملاحظات المجلس؟
جواب: الآراء التي قدمها المجلس مست المجال الجنائي الإجرائي في عمقه، ويمكن تجميعها في أربعة محاور رئيسية:
· البحث التمهيدي وضمانات الحرية الفردية؛
· السياسة الجنائية وآليات إعدادها وتبليغها وتقييمها؛
· المحاكمة والطعون، بما في ذلك المسطرة الغيابية، وإيقاف سير الدعوى العمومية، وترشيد مساطر الاستئناف والنقض؛
· السجل العدلي وبعض المقتضيات ذات الأثر على وضعية المحكوم عليهم وإعادة الإدماج.
كل محور من هذه المحاور قرئ على ضوء ضرورة تحقيق التوازن بين حماية المجتمع من الجريمة، وصون كرامة المشتبه فيهم والمتهمين وضمان حقوق الضحايا.
سؤال: بعد صدور القانون، كيف واكب المجلس عمليا هذا الورش التشريعي؟
جواب: مباشرة بعد نشر الظهير الشريف بتنفيذ القانون بالجريدة الرسمية، بادر المجلس إلى تفعيل «خطة مواكبة تشريعية» عبر قطب القضاء الجنائي، أهم معالمها:
إعداد نسخة محينة من قانون المسطرة الجنائية تتضمن جميع التعديلات مميّزة بلون مختلف، مع إلحاقها بنماذج قضائية محرَّرة على ضوء النص الجديد لتيسير عمل القضاة. وتنفيذا لتوجيهات السيد الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية جرى تمكين جميع القضاة المشتغلين بالمادة الجنائية بنسخ ورقية والكترونية من القانون، فضلا عن إعداد أكثر من سبعين دراسة أولية شاملة لجميع المستجدات وتوزيعها على القضاة.
إصدار الرسالة الدورية عدد 29/25 بتاريخ 1 أكتوبر 2025، الموجَّهة إلى جميع المسؤولين القضائيين، متضمنة عرضاً منهجياً لأهم المستجدات حسب أبواب القانون، مع الدعوة إلى تعميمها وتنظيم لقاءات تأطيرية داخل المحاكم.
إحداث قناة تواصل دائمة مع المسؤولين القضائيين من أجل رصد الإشكالات التطبيقية منذ اليوم الأول لدخول القانون حيز النفاذ، وطلب إحالة الصعوبات العملية في أفق صياغة أجوبة ودلائل تطبيقية.
سؤال: لننتقل إلى التدابير الاستباقية. كيف تعاملتم مع تقليص مدد الاعتقال الاحتياطي الذي جاء به القانون الجديد؟
جواب: تقليص مدد الاعتقال الاحتياطي من أبرز المقتضيات ذات الأثر المباشر على الحرية الفردية. وباعتبار أن هذه الآجال ذات طبيعة إجرائية، فهي تطبق فورا على القضايا الجارية.
انطلاقاً من هذا المعطى، قام قطب القضاء الجنائي بجرد دقيق للملفات التي قد تبلغ الحد الأقصى للمدد الجديدة تزامنا مع تاريخ النفاذ، خصوصا ملتمسات التحقيق المقدمة خلال الفترة من بداية أبريل إلى نهاية يونيو 2025.
أعددنا لوائح تشمل 1462 ملفا على مستوى المملكة، وجهت للمسؤولين القضائيين بغرض:
· عقد اجتماعات استعجالية مع قضاة التحقيق لترتيب الأولويات حسب آجال الاعتقال وخطورة الأفعال؛
· التسريع بإنجاز إجراءات التحقيق، خاصة الخبرات والاستنطاقات؛
· الشروع في تحرير مسودات الأوامر النهائية قبل تاريخ 8 دجنبر كلما أمكن، لتفادي الإفراج الاضطراري بقوة القانون في ملفات خطيرة فقط لعائق مسطري محض.
وبهذه المقاربة المستمدة من اختصاصات قطب القضاء الجنائي في تتبع نجاعة الأداء القضائي، حاولنا التوفيق بين احترام الحرية الفردية وحماية المجتمع والأمن القضائي.
سؤال: وماذا عن المقتضيات الجديدة الخاصة بالأشخاص الخاضعين لقواعد الاختصاص الاستثنائي؟
جواب: أعاد القانون الجديد بناء نظام «الامتياز القضائي» بشكل عميق، عبر إسناد أدوار محورية للوكيل العام للملك لدى محكمة النقض والغرفة الجنائية بهذه المحكمة.
ولقد قمنا بجرد شامل ل 126 ملفا رائجا تهم هذه الفئات، وتم التواصل مع المسؤولين القضائيين لإبراز:
أن قواعد الاختصاص الاستثنائي تطبّق فوراً على القضايا الرائجة عند دخول القانون حيز التنفيذ، باعتبارها قواعد إجرائية.
أن المقتضيات المتعلقة بمرحلة البحث وتحريك الدعوى العمومية لا تسري على الملفات التي حُرِّك بشأنها الدعوى قبل 8 دجنبر 2025، صوناً لمبدأ الشرعية الإجرائية.
أن الملفات الجنحية الرائجة أمام المحاكم الابتدائية بخصوص بعض الفئات ( القياد، ضباط الشرطة القضائية) والتي لم يصدر فيها حكم قبل تاريخ النفاذ يجب التصريح بعدم الاختصاص فيها وإحالتها على محكمة الاستئناف المحددة من طرف الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، وقد قدّرناها ب 73 ملفاً تقريباً.
فالمطلوب هنا ليس فقط التكيّف مع توزيع جديد للاختصاص ، بل الحفاظ على انتظام السير القضائي وعدم ترك ملفات معلقة في فراغ مسطري.
سؤال: منحت المادة 15 من القانون الجديد النيابة العامة إمكانية إطلاع الرأي العام على مستجدات بعض القضايا. كيف تقيمون هذا الاختيار في ضوء الحق في الحصول على المعلومات وقرينة البراءة؟
الجواب:بالنظر إلى تتبع العمل القضائي بالمحاكم، أعتبر أن هذا المقتضى يحمل بعدين متلازمين:
الأول، أنه يكرس عمليا مقتضيات الفصل 27 من الدستور بشأن الحق في الحصول على المعلومة، ويستجيب لتوقع مشروع لدى المواطنين في معرفة حقيقة ما يجري في قضايا تثير اهتماما عاما.
الثاني، أنه يفرض في المقابل التزاما صارما بعدم المساس بقرينة البراءة كما قررها الفصل 119 من الدستور؛ فلا يجوز أن يتحول البلاغ القضائي إلى إدانة إعلامية سابقة لأوانها، أو إلى تشهير بالأشخاص خارج الضمانات القضائية.
المعادلة الدقيقة، في تقديري، تكمن في ثلاثة عناصر:
– مضمون المعطيات المنشورة؛
– توقيت نشرها؛
– ونبرة الخطاب المستعمل في التواصل.
إذا تم احترام هذه الحدود، فإن دور النيابة العامة في التواصل يمكن أن يعزز الثقة في العدالة.
سؤال:تناولت المسطرة بالتعديل بإسهاب موضوع الشكايات والوشايات المجهولة، وقرارات الحفظ وإمكانية التظلم منها. ما أبرز ما يميز التنظيم الجديد لهذه المقتضيات، خصوصا من حيث الموازنة بين حق التشكي وحماية الأشخاص من الوشايات الكيدية؟
الجواب:لعل المتتبع للسياسة الجنائية، يمكنه أن يستنتج أن المشرع حاول ترسيخ مجموعة من الضمانات على ثلاث درجات:
أولا، على مستوى الشرطة القضائية:
جعلت المادة 21 تلقي الوشايات المجهولة خاضعا لإذن مسبق من النيابة العامة قبل مباشرة الأبحاث، وهو ما يحدّ من استعمال الوشاية أداة لتصفية حسابات أو لتشويه السمعة دون حد أدنى من الجدية.
ثانيا، على مستوى النيابة العامة:
المادتان 40 و49 ألزمتا بإخبار المشتكي أو دفاعه بمآل الشكاية داخل أجل معين، ومنحتا حق التظلم من قرار الحفظ أمام درجة أعلى من رئاسة النيابة العامة، بما يضمن رقابة هرمية مؤسساتية على سلطة الملاءمة.
ثالثا، على مستوى المناقشة الحقوقية:
أدرك أن هناك من يدعو إلى فتح باب الطعن الإداري في قرارات الحفظ، لكن من زاوية صرامة النسق الإجرائي، أرى أن قانون المسطرة الجنائية وضع طرق الطعن فيه على سبيل الحصر، وأن فتح مسار موازٍ أمام القضاء الإداري قد يخلق ازدواجية واضطرابا في الأمن القانوني للمسطرة الجنائية.
السؤال:في موضوع برقيات البحث، يشكل التعديل المتعلق بإلغائها بقوة القانون عند تقادم الجريمة أو العقوبة خطوة أساسية نحو تكريس الأمن القضائي. كيف ذلك؟
الجواب:
لا تخفى صعوبة بقاء برقيات البحث قائمة في حق أشخاص رغم أن الجريمة أو العقوبة قد تقادمت قانونا، وهو ما ينعكس على حريتهم في التنقل، وعلى حياتهم المهنية والاجتماعية، دون سند موضوعي.
لذلك فإن المادة 40 في صيغتها الجديدة نصت صراحة على أن برقية البحث تلغى بقوة القانون بمجرد:
- إلقاء القبض على المعني؛
- أو تقادم الجريمة؛
- أو تقادم العقوبة.
وألزمت النيابة العامة بالسهر تلقائيا، أو بطلب ذي مصلحة، على تنفيذ هذا الإلغاء وإشعار الشرطة القضائية به.
وبطبيعة هذا المقتضى ليس تفصيلا تقنيا، بل هو تجسيد لمبدأ الأمن القضائي؛ أي أن يعلم المواطن أن وضعيته القانونية لن تبقى معلقة إلى أجل غير مسمى بسبب إجراء فقد مبرره القانوني.
السؤال:ما هي ملاحظاتكم الأساسية بخصوص المقتضيات المتعلقة بالبحث المالي الموازي والحجز وتجميد الحسابات وعقل الممتلكات ؟
الجواب:
لا يمكن اليوم تصور سياسة جنائية فعالة في مواجهة الجريمة المالية وغسل الأموال دون تمكين السلطات من تتبع الأموال المتحصلة من الجريمة أينما تم إخفاؤها.
من هذا المنطلق، أعتبر إيجابيا:
- إقرار البحث المالي الموازي؛
- إجازة الحجز والعقل حتى في مواجهة الغير مع مراعاة حسن النية؛
- استثناء الأجور والمعاشات والأموال غير المرتبطة بالجريمة من الحجز؛
والتنصيص على ضرورة تفادي شل الأنشطة الاقتصادية المشروعة.
سؤال: كثيراً ما يشار إلى الصلح الزجري كمدخل أساسي للنجاعة. ما الذي تغيّر عملياً في هذا الباب؟
جواب: انتقل الصلح الزجري من آلية محدودة الأثر إلى رافعة حقيقية للتخفيف «من القضايا الزجرية الأكثر رواجا» إذا أحسنّا تفعيله. في القانون السابق، كان نطاقه ضيقاً، ومسطرة المصادقة القضائية تُفرغه عملياً من غايته في التخفيف عن المحاكم.
القانون الجديد أدخل تحولات نوعية من خلال:
1. توسيع وعاء الجرائم القابلة للصلح (المادة 41.1):
· كل جنحة يعاقب عليها بسنتين حبسا أو أقل وبغرامة لا يتجاوز حدها الأقصى 100.000 درهم أو بإحدى العقوبتين؛
· إضافة عدد مهم من الفصول ذات الحضور العالي في الواقع العملي (النصب، خيانة الأمانة، شيكات، أفعال المس بالحياة الخاصة… إلخ).
2. تأسيس الوساطة الجنائية لأول مرة:
منح وكيل الملك صلاحية اقتراح الصلح بالوساطة قبل تحريك الدعوى، عبر وسيط يختاره الأطراف أو النيابة العامة، أو محامي الطرفين، أو مكتب المساعدة الاجتماعية بالمحكمة.
3. الاستغناء عن مصادقة القاضي:
أصبح التحقق من تنفيذ الصلح من اختصاص وكيل الملك، مع إمكانية تحريك الدعوى إذا لم تنفّذ الالتزامات أو ظهرت عناصر جديدة.
ولتقريب الصورة، تكفي الإشارة إلى أنه على مستوى المحكمة الابتدائية الزجرية بالدار البيضاء وحدها، يمكن أن يشكل عدد القضايا القابلة للصلح وفق المعايير الجديدة حوالي 13.761 قضية في سنة واحدة، مع ملاحظة أن النسبة الغالبة من الأحكام الصادرة في هذه القضايا هي بعقوبات حبسية موقوفة التنفيذ، أي أن هامش التصالح فيها واسع عمليا.
إذا تم استثمار هذه الإمكانيات بفعالية، سنكون أمام تحول ملموس في مخزون الملفات القضائية.
سؤال: وماذا عن آلية السند التنفيذي الإداري؟ كيف يمكن أن تخدم النجاعة، خصوصاً في المجالات ذات الطابع التقني مثل المخالفات الغابوية؟
جواب: السند التنفيذي الإداري هو أداة جديدة لتحقيق «عدالة سريعة ومنخفضة الكلفة» في المخالفات والجنح المعاقب عليها بغرامة فقط، ولا يوجد فيها متضرر من الأغيار.
الفكرة بسيطة:
· الإدارة التي يحرر أعوانها المحضر (كالمياه والغابات، الجمارك، الشرطة الإدارية…) تعرض على المخالف أداء نصف الحد الأقصى للغرامة في أجل شهر؛
· إذا أدى المبلغ، تُحفظ المسطرة وتنقضي المتابعة؛
· إذا لم يؤدِّ، يُحال المحضر على وكيل الملك لفتح مسطرة الصلح أو تحريك الدعوى العمومية، مع إلزام المحكمة في حالة الإدانة بألا تقل الغرامة عن ثلثي الحد الأقصى.
في مجال المخالفات الغابوية مثلاً، التي تشكو تاريخياً من طول الإجراءات، يمكن لهذه الآلية أن تختصر زمناً قضائياً وإدارياً معتبراً في أفعال من قبيل: أخذ منتجات الغابة بدون إذن، الحرث غير المشروع، ترك البهائم، نصب الخيام داخل المجال الغابوي، وغيرها من المخالفات التي تعالجها اليوم المحاكم بعدد معتبر من الملفات.
وبهذا المنطق، يصبح جزء من النزاعات بسيطاً يُعالَج في حضن الإدارة، مع إبقاء القضاء متفرغاً للقضايا الأهم والأكثر تعقيداً.
سؤال: نص المادة 372 في صيغتها الجديدة أيضاً يثير الاهتمام. كيف تقرأون آلية إيقاف سير الدعوى العمومية على ضوء التعديل؟
جواب: في الصيغة السابقة، كان وقف سير الدعوى العمومية في الجنح القابلة للصلح مشروطاً بملتمس من النيابة العامة، ولم يكن للأطراف ولا للمحكمة من تلقاء نفسها أن تبادر إلى ذلك. عملياً، هذا القيد جعل الأرقام هزيلة جداً:
في المحكمة الزجرية بالدار البيضاء مثلاً، لم تتجاوز نسبة الأحكام الصادرة بإيقاف سير الدعوى 0,21% من مجموع المحكوم في القضايا المعنية خلال سنتي 2023 و2024.
اليوم، المادة 372 بعد التعديل تمنح:
· للمحكمة سلطة تلقائية لوقف سير الدعوى العمومية في الجنح المنصوص عليها في المادة 1-41،
· وللنيابة العامة والأطراف على السواء حق تقديم الملتمس؛
· مع إلزام المحكمة، في حالة وجود اعتقال أو مراقبة قضائية، بالأمر بالإفراج ورفع تدابير المراقبة.
هذا التعديل يترجم مفهوم «توازن الأسلحة» داخل الخصومة الجنائية، ويربط العدالة التصالحية بمنطق مؤسساتي واضح، مع توسيع هامش إنهاء النزاعات ودياً عندما يكون ذلك مبرَّراً.
سؤال: ماذا عن التحقيق الإعدادي، وهو من أكثر المجالات التي طالتها الانتقادات؟
جواب: عاش قضاء التحقيق في السنوات الأخيرة تحت ضغط بنيوي:
· كثرة المطالبات بإجراء تحقيق ؛
· تراكم ملفات مزمنة، خاصة في قضايا عدم توفير مؤونة شيك؛
· استعمال التحقيق كوسيلة لقطع التقادم أحيانا.
الدراسات التي أنجزها قطب القضاء الجنائي بينت أن:
· نسبة مهمة من الملفات موضوع أمر بإلقاء القبض الرائجة أمام غرف التحقيق في المحكمة الابتدائية الزجرية بالدار البيضاء مثلا تتعلق بجرائم الشيكات؛
· وأن عدداً غير يسير من هذه الملفات يعود إلى سنوات بعيدة (من 2010 فما بعدها) دون أوامر نهائية لكون أصحابها في حالة فرار.
القانون الجديد اختار التضييق الواعي من نطاق التحقيق الإعدادي:
· جعله اختياريا في جميع الجنايات؛
· جعل التحقيق في الجنح لا يكون إلا بنص خاص (حاليا حالات محدودة في المدونة العامة للضرائب) أو بصفة اختيارية في الجنح المنصوص عليها في المادة 108 ذات الطابع الخطير أو المعقّد.
نتوقع أن ينعكس هذا التوجه على:
· انخفاض عدد الملفات الرائجة أمام قضاء التحقيق، خاصة على مستوى المحاكم الابتدائية؛
· تراجع نسب الاعتقال الاحتياطي المرتبطة بملفات «راقدة» في التحقيق؛
· إعادة تركيز وظيفة قاضي التحقيق على الملفات التي تستحق فعلاً البحث المعمق.
سؤال: الطعون أيضاً لم تسلم من المراجعة. ما هي أهم ملامح ترشيدها في نظركم؟
جواب: المشرع حاول مواجهة ظاهرة «الإفراط في الطعون» عبر عدة أدوات، من بينها:
1. إلغاء التعرض على الأحكام الغيابية القابلة للاستئناف (المادة 393):
حتى لا تتوالى التعرضات والاستئنافات بشكل يطيل أمد النزاع، ويجهد المحاكم دون مردودية حقيقية على مستوى ضمانات الدفاع.
2. إتاحة إمكانية تصدي محكمة النقض للقضية عند الطعن للمرة الثانية (المادة 556):
إذا توفرت للمحكمة عناصر الواقع الكافية، يمكنها حسم النزاع نهائياً، وهو استثناء مدروس وحيادا على القاعدة أن محكمة النقض محكمة قانون. هذا المقتضى سيساهم في اقتصاد الزمن والإجراءات، خاصة في القضايا المتكررة في مسارها الإجرائي.
3. آلية القرارات التفسيرية الموحِّدة (المادة 518 فقرتان 3 و4):
إذا لاحظ الرئيس الأول لمحكمة النقض وجود مقررات متعارضة في تفسير نفس المقتضى القانوني، يمكنه إحالة المسألة على محكمة النقض بغرفها مجتمعة لإصدار قرار تفسيري ملزم لجميع المحاكم.
هذه الآلية تكرِّس دور محكمة النقض في حماية الأمن القانوني والقضائي، وتحد من التناقض في الاجتهاد الذي يربك المتقاضين ويضعف الثقة في العدالة.
سؤال: في ضوء كل ما سبق، ما هي الرهانات الكبرى التي تعقدونها على هذا القانون في مجال النجاعة الجنائية؟
جواب: الرهان الأساسي هو الانتقال من عدالة «مرهقة بحجم الملفات» إلى عدالة «قادرة على التركيز على جوهر النزاع».
نحن في قطب القضاء الجنائي نتابع مؤشرات النجاعة بشكل دقيق:
· نسبة المحكوم من المسجل؛
· معدلات آجال البت؛
· نسب الاعتقال الاحتياطي ومدده؛
· نسب استعمال الآليات التصالحية؛
· مؤشرات تنفيذ العقوبات وتدابير إعادة الإدماج.
القانون الجديد يوفر أدوات عملية لتحسين كل هذه المؤشرات:
· الصلح والوساطة والسند التنفيذي الإداري لتخفيف الرواج؛
· تقليص مدد الاعتقال الاحتياطي وترشيد التحقيق لتحسين آجال البت وحماية الحرية؛
· آليات الطعون المرسّخة للأمن القضائي لتوحيد الاجتهاد وتوقع المآلات القضائية.
لكن نجاح القانون لن يتحقق بالنصوص وحدها، بل بثقافة قضائية جديدة تتبنى روح الإصلاح، وتجرؤ على استعمال الآليات المستحدثة، وتعتبر النجاعة والحقوق وجهين لعملة واحدة.
سؤال: ما هي الرسالة التي يوجهها قانون المسطرة الجنائية الجديد إلى القضاة وباقي الفاعلين في العدالة الجنائية؟
جواب: الرسالة الأولى للقضاة، قضاة الحكم والنيابة العامة والتحقيق وتطبيق العقوبات، أن هذا القانون ليس عبئا تشريعيا جديدا، بل هو فرصة لإعادة ترتيب الممارسة القضائية بما يضمن حماية الحقوق وتحسين الأداء. النصوص وُضعت لتُفعَّل، وبعض آلياته –مثل الصلح والوساطة، وقف سير الدعوى، السند الإداري، ترشيد التحقيق– تحتاج إلى قدر من الجرأة في التفعيل ضمن حدود الشرعية.
الرسالة الثانية لباقي الشركاء: المحامون، ضباط الشرطة القضائية، كتاب الضبط، الإدارة السجنية، باقي الإدارات … هي أن ورش المسطرة الجنائية ورش مشترك؛ لا يمكن أن يُكتب له النجاح الكامل إلا بتملّك جماعي لمضامين القانون الجديد، وبحوار مستمر بين كل المكونات.
وأخيرا، يبقى المجلس الأعلى للسلطة القضائية، عبر أجهزته الإدارية ومن بينها قطب القضاء الجنائي، منفتحا على كل المبادرات والأسئلة والإشكالات التي يثيرها تنزيل هذا القانون، لأن الرهان في النهاية هو واحد: عدالة مستقلة، ناجعة، قريبة من المواطن، وفي مستوى انتظارات أمير المؤمنين جلالة الملك محمد السادس دام له النصر والتمكين والمجتمع المغربي.
What's Your Reaction?
Like
0
Dislike
0
Love
0
Funny
0
Angry
0
Sad
0
Wow
0