التقرير الثامن لرئاسة النيابة العامة.. خارطة طريق لعدالة أكثر نجاعة
قدم السيد هشام البلاوي الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، رئيس النيابة العامة، التقرير السنوي الثامن أمام المجلس الأعلى للسلطة القضائية، يوم الثلاثاء 16 دجنبر 2025، متضمنا حصيلة سنوية تعكس عمق التحولات التي عرفتها النيابة العامة خلال سنة 2024.
وفي قراءة لهذا التقرير، يتضح جليا أن سنة 2024 كانت محطة فارقة في مسار التحديث الهيكلي لرئاسة النيابة العامة، إذ استمرت مراجعة القرار الإداري، وإحداث قطب التحديث ونظم المعلومات، في خطوة تعكس انخراطها في المتطلبات العصر الرقمي وانخراطها فعليا في مشروع "التدبير الرقمي 2030".
عندما تتحدث الإحصائيات عن واقع العدالة
وعلى صعيد مواز، تكشف الإحصائيات المفصلة التي تضمنها هذا التقرير عن صورة شاملة لتطور النيابات العامة بمختلف محاكم المملكة، حيث تمت معالجة ما يفوق 1233 ألف قضية، بزيادة نسبتها 12.5% مقارنة بسنة 2023. .
بيد أن هذا التطور العددي، رغم إيجابيته النسبية، يبقى غير كاف أمام حجم المهام المتنامي، إذ لم يتجاوز المعدل الوطني ثلاثة قضاة لكل مائة ألف نسمة، في حين يفوق نظيره الأوروبي أحد عشر ممثلا للنيابة العامة لكل مائة ألف من السكان.
وتجسيدا للتوجهات الرامية إلى ترشيد تدبير الملفات، نجحت النيابات العامة في تصفية 497,052 شكاية، أي بفوق عدد الشكايات المسجلة خلال نفس السنة، محققة بذلك نسبة إنجاز بلغت 88% من الرائج وحوالي 104% من المسجل، وهو ما انعكس إيجابا على تقليص حجم المخلف الذي تراجع من 82,558 شكاية سنة 2023 إلى 66,651 شكاية.
وفي المسار نفسه، عالجت النيابات العامة ما يقارب 2.3 مليون محضر بنسبة إنجاز قاربت 95%. وقد يؤشر على فعالية آليات التنسيق المستحدثة مع الشرطة القضائية.
وفي مقاربة أكثر تفصيلا لسيرورة التقديم، بلغ عدد الأشخاص المقدمين أمام النيابة العامة للاشتباه بارتكابهم جرائم 664,637 مقدما، تقرر متابعة 94,293 منهم في حالة اعتقال، أي بنسبة 14.19% فقط من مجموع المقدمين، وهو ما يمثل انخفاضا ملحوظا يعكس نجاعة سياسة ترشيد الاعتقال الاحتياطي والملح الأبرز في هذا السياق يتجلى في أن النيابة العامة أمرت باعتقال 77,148 متهما فقط، أي بنسبة 11.61% من مجموع المقدمين، مما يجسد التزامها الراسخ بتفعيل البدائل القانونية للاعتقال، حيث بلغ عدد المتابعات مقابل كفالة مالية 15,862 متابعة، فيما سجلت 46,309 حالة صلح في إطار المادة 41 من قانون المسطرة الجنائية.
السياسة الجنائية... بين حماية الحقوق ومحاربة الإفلات من العقاب
يبرز التقرير السنوي مقاربة شمولية تقوم على أربعة محاور استراتيجية: حماية حقوق الإنسان، وحماية الفئات الخاصة، وتخليق الحياة العامة، وحفظ الأمن والنظام العام. ففي مجال التصدي للانتهاكات الماسة بحقوق الإنسان، أبانت النيابات العامة عن سرعة استجابتها لكل ادعاء يرتبط بسوء المعاملة، حيث سجلت 150 شكاية تتعلق بادعاء العنف وسبع شكايات تتعلق بادعاء التعذيب، فيما أنجزت 22,375 زيارة لأماكن الوضع تحت الحراسة النظرية و1,116 زيارة للمؤسسات السجنية، وهي نسب تجاوزت السقف المفروض قانونا بما يعكس يقظة مضاعفة في مراقبة أماكن الحرمان من الحرية.
وعلى مستوى ترشيد الاعتقال الاحتياطي، فقد بلغت نسبة الاعتقال الاحتياطي إنجازا لافتا تمثل في أدنى نسب للاعتقال الاحتياطي خلال العقد الأخير، إذ لم تتجاوز 31.79% من مجموع الساكنة السجنية البالغ عددها 105,094 نزيلا، وهو ما يترجم التزام النيابات العامة بتفعيل مقتضيات قانون العقوبات البديلة، وترسيخ فلسفة الموازنة بين متطلبات الدعوى العمومية وضمان الحريات الفردية.
وفي إطار جهود النيابات العامة الرامية إلى حماية الفئات الخاصة، شهدت قضايا العنف ضد النساء تراجعا ملحوظا، إذ استقرت عند 26,884 قضية بعدما كانت قد بلغت 29,950 قضية خلال سنة 2023. غير أن قضايا العنف ضد الأطفال ارتفعت إلى 9,618 قضية، وهو ما استدعى تصديا مكثفا لإجراءات الحماية المقررة لفائدتهم القانونية. وفي الاتجاه ذاته، سجلت قضايا الاتجار بالبشر 155 قضية، في مؤشر يعكس اليقظة الخاصة التي أبدتها النيابات العامة في مواجهة هذا النمط الخطير من الجريمة.
وعلى صعيد تخليق الحياة العامة، تمكنت النيابة العامة من تفعيل آلية الخط المباشر للتبليغ عن جرائم الفساد والرشوة، حيث بلغ مجموع المكالمات الواردة عليه 8,967 مكالمة، أسفرت عن ضبط 61 حالة تلبس أحيلت منها 289 على الجهات القضائية المختصة، في خطوة تؤشر على جدية هذه الآلية وتعزيز الثقة المجتمعية في التبليغ عنها. كما عالجت 874 قضية في مجال الجرائم المالية و801 قضية تتعلق بغسل الأموال صدرت بشأنها 289 حكما قضت النسبة الغالبة منها بالإدانة.
التوصيات... خارطة طريق لمستقبل النيابة العامة
انتهى التقرير إلى إصدار توصيات عملية تشكل خارطة طريق حقيقية لتطوير عمل النيابات العامة، في مقدمتها الحاجة الملحة إلى سد الخصاص المقدر بحوالي 800 قاض، وتمكين النيابات العامة من العدد الكافي من الأطر والموظفين، لا سيما المساعدين الاجتماعيين والمتخصصين في المجالين الإحصائي والمعلوماتي. كما أكد التقرير على ضرورة مواصلة تطوير البنية التحتية وتحديث النظم المعلوماتية، وعلى رأسها نظام SAJ2، ليشمل جميع مراحل الإجراءات القضائية مع إحداث لوحات قيادة ذكية تمكن من التتبع الآني لمختلف القضايا.
وإجمالا، حسب التقرير، فإن الحصيلة المسجلة برسم سنة 2024 تؤشر على مسار إيجابي في تنفيذ السياسة الجنائية، مسار يصبو إلى الارتقاء بعمل النيابة العامة إلى مستوى قائم على ترسيخ الضمانات الحقوقية، وترشيد التدبير القضائي، وتعزيز حماية الفئات الهشة، وتحقيق الأمن العام والتصدي لكافة صور الجريمة، كل ذلك وفق التوجيهات السامية لجلالة الملك محمد السادس نصره الله، رئيس المجلس الأعلى للسلطة القضائية.
What's Your Reaction?
Like
0
Dislike
0
Love
0
Funny
0
Angry
0
Sad
0
Wow
0