مكافحة الجرائم المالية..التكوين المتخصص خيار استراتيجي
"..يجب التأكيد أن محاربة الفساد لا ينبغي أن تكون موضوع مزايدات. ولا أحد يستطيع ذلك بمفرده، سواء كان شخصا، أو حزبا، أو منظمة جمعوية. بل أكثر من ذلك، ليس من حق أي أحد تغيير الفساد أو المنكر بيده، خارج إطار القانون. فمحاربة الفساد هي قضية الدولة والمجتمع: الدولة بمؤسساتها، من خلال تفعيل الآليات القانونية لمحاربة هذه الظاهرة الخطيرة، وتجريم كل مظاهرها، والضرب بقوة على أيدي المفسدين .."
مقتطف من الخطاب السامي الذي وجهه جلالة الملك محمد السادس نصره الله بمناسبة الذكرى 17 لعيد العرش المجيد بتاريخ 30 يوليوز 2016
تجسيدا للاختيارات الوطنية في مجال حماية المال العام وتوطيد الثقة في المؤسسات، انطلقت السلسلة الوطنية للتكوينات المتخصصة في مجال مكافحة الجرائم المالية باعتبارها ورشا مؤسساتيا يعكس إرادة المجلس الأعلى للسلطة القضائية في الارتقاء بآليات التصدي لهذا النوع من الجرائم، ومواكبة تعقيداته المتزايدة بتكوين متخصص يمزج بين الإطار القانوني للجرائم المالية وفهم آليات العمل المؤسساتية.
ويأتي هذا البرنامج التكويني في إطار انخراط المجلس الأعلى للسلطة القضائية، بشراكة مع رئاسة النيابة العامة وباقي الشركاء، في تعزيز نجاعة العدالة الجنائية، وتكوين القضاة في معالجة القضايا ذات الطابع المالي، بما يخدم متطلبات الشفافية، ويصون المال العام.
وقد أكد السيد محمد عبد النباوي، الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، في كلمته خلال الجلسة الافتتاحية المنعقدة يوم الأربعاء 22 أكتوبر 2025 بالرباط، أن مكافحة الجرائم المالية تندرج ضمن صلب الاختيارات الاستراتيجية للدولة والتوجيهات الملكية السامية، التي تشدد على أن التصدي للفساد يظل مسؤولية جماعية ومجال مؤطر حصرا بسيادة القانون، بعيدا عن كل أشكال المزايدة أو المبادرات الفردية.
وشدد الرئيس المنتدب على أن التصدي للفساد لا يقوم على مبادرات ظرفية أو مجهودات فردية، بل يقتضي مقاربة جماعية قائمة على التنسيق المؤسساتي والالتزام الصارم بالقانون، مبرزا أن أي تدخل خارج هذا الإطار يظل فاقدا للمشروعية القانونية.
وأضاف أن محاربة الفساد تمثل مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع، تستوجب تعبئة شاملة وتفعيلا فعالا للآليات القانونية، مع التعامل الحازم مع مختلف مظاهر الإثراء غير المشروع.
كما أبرز الرئيس المنتدب جهود المجلس الأعلى للسلطة القضائية لتقوية أقسام الجرائم المالية، من خلال تطوير التكوين المتخصص في مجالات التحليل المالي والقانوني،
واعتماد وسائل تقنية حديثة في البحث والتحري، إلى جانب إحداث بنية إدارية متخصصة داخل قطب القضاء الجنائي، بموجب القرار التنظيمي رقم 16/23 لسنة 2023. هذه البنية تروم تتبع أداء أقسام الجرائم المالية وفق مؤشرات دقيقة للنجاعة والفعالية، بما يضمن تحسين جودة المعالجة القضائية.
كما توقف عند مذكرة التفاهم الثلاثية الموقعة بتاريخ 30 يونيو 2022 بين المجلس الأعلى للسلطة القضائية ورئاسة النيابة العامة
والمجلس الأعلى للحسابات، معتبرا إياها إطارا عمليا لتوحيد الرؤى وتبادل الخبرات وتنسيق الجهود في مجال مكافحة الفساد في التدبير العمومي.
ولإبراز الأثر الميداني لهذه الدينامية، قدم الرئيس المنتدب معطيات محينة حول نشاط أقسام الجرائم المالية، التي تشير إلى تسجيل 436 قضية خلال السنة القضائية المنصرمة، حيث بلغ المحكوم منها 249 قرارا صادرا إلى غاية منتصف سنة 2025، بنسبة إنجاز فاقت 71% وهو ما يعكس تطور نجاعة الأداء القضائي.
What's Your Reaction?
Like
0
Dislike
0
Love
0
Funny
0
Angry
0
Sad
0
Wow
0