محكمة النقض توضح نطاق حجية الشيء المقضي به: لا تمتد إلا لمنطوق الحكم دون أسبابه
القرار عدد: 127/2
الصادر بتاريخ : 25/02/2025
ملف مدني عدد: 1840/1/2/2023
ذهبت محكمة النقض إلى أن الدفع بحجية الشيء المقضي به يظل محكوماً بضوابط دقيقة، أبرزها أن هذه الحجية لا تنصرف إلا إلى منطوق الحكم دون أسبابه، ولا يمكن التوسع فيها لتشمل عناصر لم تكن موضوع فصل صريح في الحكم السابق، في تكريس لمبدأ الأمن القانوني وضمان حسن سير العدالة.
وتعود وقائع القضية إلى نزاع مدني تقدم فيه أحد الأطراف بدعوى جديدة، بعد صدور حكم سابق في نفس الموضوع، حيث تمسك الطرف المدعى عليه بكون الدعوى الجديدة غير مقبولة لسبق البت فيها، معتبراً أنها تصطدم بحجية الشيء المقضي به، وأن الحكم السابق حسم النزاع بشكل نهائي.
غير أن المحكمة التي نظرت النزاع لم تأخذ بهذا الدفع، معتبرة أن عناصر الدعوى الجديدة تختلف عن تلك التي كانت موضوع الحكم السابق، سواء من حيث السبب أو الطلب أو الأطراف، مما ينفي قيام الشروط القانونية اللازمة للاحتجاج بحجية الشيء المقضي به.
وأمام ذلك، تم الطعن في القرار، بعلة خرق مقتضيات الفصلين 451 و452 من قانون الالتزامات والعقود، اللذين ينظمان حجية الأحكام القضائية، بدعوى أن المحكمة لم تطبق القاعدة القانونية بشكل سليم، ولم تقدر بشكل صحيح نطاق الحكم السابق.
وفي معرض بسط رقابتها، أكدت محكمة النقض أن حجية الشيء المقضي به تفترض توفر شروط أساسية، تتمثل في وحدة الأطراف والموضوع والسبب، وأن هذه الحجية تقتصر على ما تم الفصل فيه صراحة في منطوق الحكم، دون أن تمتد إلى الأسباب أو التعليلات التي قد تكون وردت فيه.
كما شددت المحكمة على أن الدفع بحجية الشيء المقضي به لا يمكن قبوله إلا إذا كان الطرف المتمسك به يستند إلى حكم سابق حسم نفس النزاع بعينه، وأن مجرد وجود تقاطع أو تشابه بين الدعويين لا يكفي لإعمال هذه القاعدة.
وأضافت المحكمة أن ما ورد في تعليل الحكم السابق لا يكتسي قوة الشيء المقضي به، إلا في الحدود التي يكون فيها مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بمنطوقه، ولا يجوز استخلاص آثار قانونية مستقلة من أسباب الحكم دون أن تكون محل قضاء صريح.
وانتهت محكمة النقض إلى أن القرار المطعون فيه جاء مرتكزاً على أساس قانوني سليم، لكونه لم يثبت قيام الشروط اللازمة لحجية الشيء المقضي به، واعتبر أن الدعوى الجديدة لا تتطابق مع الدعوى السابقة من حيث عناصرها الجوهرية، مما يجعل الدفع غير مؤسس.
ويثبت هذا القرار توجها قضائيا هاما مفاده أن حجية الشيء المقضي به تظل قاعدة مضبوطة لا تقبل التوسع أو التأويل، وأن نطاقها يحدد بدقة وفق منطوق الحكم، حماية لحقوق المتقاضين وضمانا لعدم حرمانهم من اللجوء إلى القضاء في حالة اختلاف عناصر النزاع.
What's Your Reaction?
Like
0
Dislike
0
Love
0
Funny
0
Angry
0
Sad
0
Wow
0