محمد عبد النباوي يحاضر في موضوع البيعة والسيادة في فتوى محكمة العدل الدولية حول الصحراء المغربية

Feb 12, 2026 - 17:30
 0  2
محمد عبد النباوي يحاضر في موضوع البيعة والسيادة في فتوى محكمة العدل الدولية حول الصحراء المغربية

في مرافعة فكرية وقانونية جمعت بين استقراء التاريخ والتأصيل المفاهيمي بمناسبة الذكرى الخمسين للمسيرة الخضراء المظفرة التي نظمت بمدينة العيون يوم 8 نونبر 2025، قدم الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، السيد محمد عبد النباوي، قراءة للبعد القانوني لفتوى محكمة العدل الدولية الصادرة بتاريخ 16 أكتوبر 1975.

وقد أكد السيد عبد النباوي في مداخلته بأن هذه الفتوى لم تكن مجرد استحضار لوقائع الماضي، وإنما شكلت وثيقة مرجعية أعادت الاعتبار لمفهوم البيعة كنظام قانوني وسياسي يتجاوز في عمقه الروحي والتعاقدي المفهوم الغربي الجامد للسيادة، وتؤكد أن الشرعية التاريخية للمغرب في صحرائه تستند إلى ثوابت راسخة لم يستطع حتى قضاة لاهاي تجاهلها، رغم اختلاف المرجعيات الثقافية والقانونية.

بلاد السيبة وبلاد المخزن تحت مظلة البيعة

لفهم السياق الذي صدرت فيه فتوى لاهاي، استعرض السيد الرئيس المنتدب أحداث مغرب القرن التاسع عشر، مستحضراً الوضعية الدقيقة التي كانت عليها الإيالة الشريفة وما واجه المغرب من تحديات جسيمة تراوحت بين الأطماع الاستعمارية بعد مؤتمر برلين (1884)، والأزمات الاقتصادية والعسكرية المتتالية، لا سيما بعد هزيمتي معركة إيسلي وحرب تطوان.

في هذا السياق، قام السيد عبد النباوي بتصويب تاريخي وقانوني لمفاهيم طالما أسيء فهمها، وتتعلق بثنائية بلاد المخزن وبلاد السيبة، مستنداً إلى تحليلات مؤرخين كبار كعبد الله العروي، الذي قال: "إن بلاد المخزن هي التي كانت خاضعة مباشرة للسلطة المركزية، وأن  بلاد السيبة هي التي كانت تخضع للسلطة المركزية عملاً بمبدأ البيعة، ولكنها تتمتع بنوع من الاستقلال الذاتي، إما لبعدها عن العاصمة أو بسبب الطابع الخاص لسكانها".

فتوى محكمة العدل الدولية.. عندما تنتصر البيعة للحقيقة التاريخية

أوضح السيد عبد النباوي أن الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية الصادر بتاريخ 16 أكتوبر 1975 شكل لحظة مفصلية، إذ دحض الادعاءات الإسبانية، وأكد أن الصحراء لم تكن أرضا خلاء غداة احتلالها سنة 1884، مقرا بوجود روابط بيعة قانونية بين سلاطين المغرب والقبائل الصحراوية.

وفي هذا السياق، أضاف أن المحكمة أضافت عبارة أثارت حينها جدلا قانونيا حين اعتبرت أن تلك الروابط لا تقيم الدليل على وجود رابطة من روابط السيادة الإقليمية.

وهنا يبرز العمق التحليلي لمداخلة السيد عبد النباوي، الذي التقط الخيط الرفيع الذي ميز عبقرية المغفور له الملك الحسن الثاني، حينما استقبل الرأي الاستشاري بفرح عارم، معتبراً أن إقرار المحكمة بالبيعة هو اعتراف بما هو أقوى وأنسب للتاريخ الذي استعمرت فيه الصحراء.

مفهوم السيادة.. النشأة والتطور

أوضح الرئيس المنتدب أن تفكيك مفهوم السيادة يقتضي إرجاعه إلى أصوله الغربية، باعتبار أن هذا المصطلح وليد السياق الأوروبي، وقد تبلور مع مفكرين مثل جان بودان في القرن السادس عشر، وتكرس مع معاهدة وستفاليا سنة 1648، عقب نهاية الحروب الدينية في أوروبا وتراجع سلطة الكنيسة، لينتقل من نظرية الحق الإلهي للملوك إلى سيادة الدولة ثم سيادة الأمة.

البيعة..

قدم المتحدث شروحات حول مفهوم البيعة كنظام أصيل للحكم في الدولة الإسلامية والمغربية، فالبيعة، كما شرحها السيد عبد النباوي لغة واصطلاحاً، هي عقد وصفقة تقتضي التزاماً متبادلاً: الطاعة والولاء في المنشط والمكره من طرف الأمة، مقابل الحماية وإقامة العدل وتدبير شؤون الرعية من طرف الإمام.

وأكد في هذا الصدد أن خصوصية البيعة في المغرب تقوم على كونها وثيقة مكتوبة وموثقة من طرف العدول والعلماء وأهل الحل والعقد، وتتجدد بتجدد السلاطين، بما يكرس طابع الاستمرارية ويضفي عليها شرعية دستورية راسخة.

الفرق بين البيعة والسيادة

في جوهر تحليله القانوني، خلص الرئيس المنتدب إلى نتيجة بالغة الأهمية أن البيعة والسيادة، رغم اختلاف المنشأ، يتطابقان في الآثار القانونية الجوهرية، فكلاهما يمنح الحاكم السلطة العليا، وكلاهما لا يقبل التجزئة، وكلاهما يمارس على كامل الإقليم والسكان.

لكن السيد عبد النباوي يذهب أبعد من ذلك، مؤكداً أن البيعة تتفوق على السيادة ببعدها الروحي والأخلاقي، فالسيادة مفهوم مادي يستند غالباً إلى قوة القانون أو القوة العسكرية، بينما البيعة ميثاق غليظ يستند إلى الدين والضمير والوفاء بالعهد أمام الله، مما يجعل الالتزام بها أقوى وأعمق من الالتزام القانوني المجرد، وعليه، فإن القول بوجود بيعة مع نفي السيادة هو تناقض منطقي، لأن البيعة هي الشكل الأسمى لممارسة السيادة في السياق الإسلامي.

واختتم السيد عبد النباوي بأن المغرب الحديث، وإن تبنى أحدث الدساتير والآليات الديمقراطية، نجح في صهر المفهومين معاً في نموذج متفرد، فالدستور المغربي يقر بأن السيادة للأمة، ولكنه يحافظ في الوقت نفسه على مؤسسة إمارة المؤمنين والبيعة كركيزة للنظام.

 

 

What's Your Reaction?

Like Like 0
Dislike Dislike 0
Love Love 0
Funny Funny 0
Angry Angry 0
Sad Sad 0
Wow Wow 0