دعوى مخاصمة القضاة بين حدود المسؤولية القضائية وضمانات استقلال القضاء
القرار عدد: 543/1
الصادر بتاريخ : 23 شتنبر 2025
ملف مدني عدد: 3290/1/1/2025
قضت محكمة النقض أن دعوى مخاصمة القضاة تظل وسيلة استثنائية لا يمكن اللجوء إليها إلا في حالات محددة حصرا بنص القانون، وعلى رأسها التدليس أو الغش أو الخطأ الجسيم أو إنكار العدالة، وذلك في إطار التوازن بين مساءلة القاضي وضمان استقلاله أثناء ممارسته لمهامه القضائية.
وتعود وقائع النازلة إلى تقدم طرفين بطلب يرمي إلى مخاصمة قاضٍ على خلفية إجراءات اتخذها أثناء نظره في ملف جنحي، حيث اعتبرا أن بعض الأسئلة التي وجهها خلال البحث، وطبيعة تدبيره للجلسة، تشكل انحرافاً عن الحياد ومساساً بحقوق الدفاع، مؤكدين أن ذلك ألحق بهما ضرراً يستوجب ترتيب المسؤولية القضائية.
غير أن محكمة النقض، وهي تبسط رقابتها على شروط قبول دعوى المخاصمة، اعتبرت أن الأسئلة التي يطرحها القاضي في إطار التحقيق أو أثناء الجلسة تندرج ضمن صميم سلطته في البحث عن الحقيقة، ولا يمكن اعتبارها في حد ذاتها سبباً للمخاصمة ما لم يثبت أنها تنطوي على تدليس أو غش أو انحراف جسيم عن مقتضيات القانون، وهو ما لم يتبين في النازلة.
كما أوضحت المحكمة أن تدبير الجلسة وضبط مجرياتها يدخلان ضمن السلطة التقديرية للقاضي، الرامية إلى ضمان حسن سير العدالة والحفاظ على النظام داخل الجلسة، وأن ما قد يسجل من ملاحظات أو توجيهات لا يرقى إلى مستوى الخطأ الجسيم الموجب للمخاصمة، ما لم يثبت أنه تجاوز حدود السلطة القانونية أو أخل بشكل واضح بمبدأ الحياد.
وفي معرض ردها على الدفع المتعلق بحرمان الأطراف من حقوق الدفاع، أكدت المحكمة أن مجرد عدم الاستجابة لبعض الطلبات الإجرائية، أو عدم إجراء بحث، لا يشكل في حد ذاته خرقاً، طالما أن المحكمة اعتبرت أن عناصر الملف كافية للفصل في النزاع، وهو ما يندرج ضمن سلطتها في تقدير وسائل الإثبات.
وبخصوص الأساس القانوني لدعوى المخاصمة، شددت المحكمة على أن الفصل 391 من قانون المسطرة المدنية حدد على سبيل الحصر الحالات التي يمكن فيها مساءلة القاضي، وأن التوسع في تفسير هذه الحالات من شأنه المساس باستقلال القضاء وعرقلة سير العدالة، مما يقتضي التقيد الصارم بالشروط القانونية لقبول هذه الدعوى.
وانتهت المحكمة إلى أن الوقائع المعروضة لا ترقى إلى مستوى الأفعال الموجبة للمخاصمة، وأن ما تمسك به الطالبان لا يعدو أن يكون انتقاداً لتقدير القاضي للوقائع أو لتدبيره للمسطرة، وهو أمر يدخل في نطاق السلطة التقديرية التي لا تشكل أساساً للمساءلة القضائية، مما يجعل الدعوى غير مقبولة شكلاً.
ويؤكد هذا القرار توجها قضائيا واضحا مفاده أن مخاصمة القضاة ليست طريقا بديلا للطعن في الأحكام أو مراجعة تقدير القاضي، بل هي آلية استثنائية محكومة بضوابط دقيقة، هدفها حماية المتقاضين من الانحرافات الجسيمة، دون المساس باستقلال القضاء أو الحد من حرية القاضي في ممارسة سلطته التقديرية داخل إطار القانون.
What's Your Reaction?
Like
0
Dislike
0
Love
0
Funny
0
Angry
0
Sad
0
Wow
0