طنجة تحتضن دورة تكوينية رفيعة لتعزيز عدالة الأحداث وترسيخ المقاربة الإنسانية في الحماية الجنائية للطفل

Apr 13, 2026 - 12:41
 0  9
طنجة تحتضن دورة تكوينية رفيعة لتعزيز عدالة الأحداث وترسيخ المقاربة الإنسانية في الحماية الجنائية للطفل

احتضنت مدينة طنجة، على مدى يومي 09 و10 أبريل 2025، أشغال دورة تكوينية متخصصة حول موضوع "الحماية الجنائية للأحداث: التشخيص والمستجدات التشريعية والمرجعيات الدولية"، نظمت بشراكة بين المجلس الأعلى للسلطة القضائية ورئاسة النيابة العامة ومنظمة اليونيسيف، في إطار دينامية مؤسساتية متواصلة تروم تطوير عدالة الأحداث والارتقاء بمستوى حماية حقوق الطفل داخل المنظومة القضائية الوطنية.

وشكل هذا اللقاء العلمي مناسبة نوعية لتقاسم الرؤى والخبرات، وتعميق النقاش حول التحولات التي يشهدها هذا المجال، خاصة في ظل المستجدات التشريعية والتوجهات الدولية الحديثة، بما يعزز فعالية التدخل القضائي ويكرس مقاربة مندمجة تقوم على التوازن بين حماية المجتمع وضمان المصلحة الفضلى للطفل.

وفي كلمة افتتاحية وازنة، قدم الأمين العام للمجلس الأعلى للسلطة القضائية عرضا شاملا عكس عمق التحول الذي تعرفه عدالة الأحداث بالمغرب، حيث أكد أن هذا الورش أصبح رهانا استراتيجيا يعكس مستوى نضج المنظومة القضائية وقدرتها على التفاعل مع القضايا الإنسانية والاجتماعية المعقدة.

وأوضح أن المقاربة الجديدة التي يؤطر بها المغرب عدالة الأحداث تنطلق من تصور متكامل يعتبر الطفل، حتى في حالة ارتكابه لفعل مجرم، شخصا في طور البناء، يستوجب الحماية والرعاية أكثر مما يستوجب الزجر والعقاب، مشيرا إلى أن هذا التحول يجد أساسه في التوجيهات الملكية السامية التي أرست دعائم رؤية إنسانية للعدالة، تجعل من الكرامة الإنسانية ومصلحة الطفل الفضلى مرتكزين أساسيين لكل تدخل قضائي.

وفي هذا السياق، أبرز الأمين العام أن الفلسفة الجنائية الحديثة في مجال الأحداث تجاوزت منطق مساءلة الحدث عن فعله، لتشمل تحليل محيطه الاجتماعي والأسري والنفسي، وفهم وضعيته في شموليتها، بما يمكن من تحديد التدخل القضائي الأنسب، سواء تعلق الأمر بتدابير الحماية أو التأهيل أو إعادة الإدماج. وأكد أن هذا التحول يعكس انتقالا نوعيا من عدالة زجرية إلى عدالة إصلاحية ذات بعد إنساني عميق.

كما شدد على أن تعزيز جودة العدالة في هذا المجال يمر حتما عبر التخصص، مبرزا أن المجلس الأعلى للسلطة القضائية جعل من قضاء الأحداث أحد المحاور الأساسية في استراتيجيته، من خلال تعيين قضاة متخصصين وتكثيف برامج التكوين المستمر لفائدتهم، بما يشمل تطوير مهارات الاستماع للطفل، وإتقان تقنيات التواصل القضائي الملائم، وفهم المؤشرات المرتبطة بالهشاشة والاضطرابات النفسية والاجتماعية.

وشدد الأمين العام على أن جودة القرار القضائي في قضايا الأحداث تجمع بين الصرامة القانونية والبعد الإنساني، بما يضمن تحقيق الإنصاف وإعادة التوازن لحياة الطفل، عبر إدماج المعطيات النفسية والاجتماعية في التقدير القضائي، وتكريس مقاربة تشاركية بين مختلف المتدخلين.

وفي هذا الإطار، أبرز أهمية المقاربة متعددة التخصصات، مؤكدا أن قاضي الأحداث يشتغل ضمن منظومة متكاملة تضم النيابة العامة والشرطة القضائية والمساعدين الاجتماعيين والخبراء النفسيين، بما يتيح معالجة شمولية لوضعية الحدث ويحد من مخاطر الوصم والإقصاء.

كما نوه بالدور المتنامي الذي يضطلع به المرصد الوطني لحقوق الطفل، باعتباره شريكا أساسيا في دعم هذه المقاربة، من خلال مساهمته في تعزيز التكفل بالأطفال، وتطوير أدوات فهم أوضاعهم النفسية والاجتماعية، وهو ما أصبح يشكل اليوم عنصرا حاسما في تجويد القرارات القضائية.

وتوقف الأمين العام عند البعد العملي لهذه الدورة، مؤكدا أنها تجمع بين التأطير العلمي والاستجابة لحاجيات الممارسة القضائية، وتهدف إلى تمكين القضاة من أدوات عملية تعزز قدرتهم على معالجة القضايا المعروضة عليهم بكفاءة وفعالية، في انسجام مع التحولات التشريعية والمرجعيات الدولية.

وأشار في هذا الصدد إلى أن المجلس يعمل على تثمين مخرجات هذه اللقاءات التكوينية، من خلال العمل على إدماج توصياتها ضمن آليات العمل القضائي، وتوسيع نطاق التكوين ليشمل مختلف الدوائر القضائية، بما يسهم في توحيد الرؤية وتجاوز التفاوتات في التطبيق، وتعزيز الأمن القضائي.

وفي امتداد لهذه الرؤية، تندرج مداخلة السيدة نسم أولNassem awl ، مساعدة ممثلة مكتب منظمة اليونيسيف بالمغرب، التي أكدت من خلالها أن هذا الورش التكويني يعكس التزاما جماعيا ومتجددا بتعزيز حماية الأطفال وتطوير عدالة الأحداث وفق مقاربة حديثة تستند إلى حقوق الطفل وتستجيب للتحولات الراهنة.

وأبرزت أن تنظيم هذه الدورة يأتي في سياق دعم الإصلاحات الجارية، لاسيما تلك المرتبطة بتعديل قانون المسطرة الجنائية، والتي كرست تحولا نوعيا في التعاطي مع الطفل في وضعية نزاع مع القانون، من خلال الانتقال نحو نموذج يعتبر الطفل فاعلا صاحب حقوق، يحتاج إلى الإنصات والمواكبة، بدل الاقتصار على منطق الزجر والعقاب .

كما شددت على أن هذا التوجه يجد امتداده في المعايير الدولية، التي تؤكد على ضرورة إرساء عدالة متخصصة، فردية، وتربوية، تراعي خصوصيات الطفل النفسية والاجتماعية، وتضع مصلحته الفضلى في صلب كل تدخل قضائي. واعتبرت أن دور القضاة، والنيابة العامة، وكافة المتدخلين، لم يعد يقتصر على البت في الأفعال المرتكبة، بل يشمل فهما شاملا لمسار الطفل وسياقه الأسري والاجتماعي، بما يسمح باعتماد حلول أكثر إنصافا وفعالية .

وفي هذا السياق، نوهت بالدور الذي تضطلع به الشراكات الدولية، وخاصة دعم الاتحاد الأوروبي من خلال مشروع "حماية وتمكين"، الذي يهدف إلى تعزيز نظام متكامل لحماية الطفولة، قائم على الولوج إلى العدالة وتكييفها مع احتياجات الأطفال، بما يضمن استجابات مؤسساتية أكثر انسجاما وفعالية .

وأكدت أن أحد التحديات الأساسية يتمثل في الحد من اللجوء إلى تدابير سلب الحرية، وتعزيز البدائل التربوية والاجتماعية، من قبيل الوساطة، والمواكبة السوسيو-تربوية، وآليات الإدماج المجتمعي، باعتبارها أدوات مركزية في تحقيق عدالة ناجعة ومنصفة. كما أشارت إلى أن التجارب المقارنة والمعايير الدولية تجمع على أن العقوبات السالبة للحرية لا ينبغي أن تكون إلا خيارا استثنائيا، في ضوء ما قد تترتب عنه من آثار سلبية على مسار الطفل .

وأضافت أن تطوير عدالة الأحداث يقتضي الاستثمار في قدرات الفاعلين القضائيين، من خلال تمكينهم من أدوات عملية حديثة، تعزز مهارات الاستماع والتواصل مع الأطفال، وتساعدهم على فهم الأبعاد النفسية والاجتماعية المحيطة بكل حالة، بما ينعكس إيجابا على جودة القرارات القضائية.

كما أكدت أن هذا النوع من الدورات التكوينية يسهم في ترسيخ ثقافة قضائية جديدة قائمة على التعاون بين مختلف المتدخلين، من قضاة ونيابة عامة وأطر اجتماعية وخبراء نفسيين، في إطار مقاربة متعددة التخصصات تضمن استجابة شمولية لوضعيات الأطفال في تماس مع القانون .

وقد عرفت أشغال الدورة نقاشات معمقة وتفاعلا مثمرا بين المشاركين، تم خلالها رصد الإكراهات العملية التي تواجه قضاة الأحداث، وتبادل التجارب الفضلى، وصياغة توصيات تروم تطوير الممارسة القضائية، وتعزيز التنسيق بين مختلف المتدخلين، بما يحقق حماية فعالة للطفل ويعزز فرص إدماجه داخل المجتمع.

وتؤكد هذه المبادرة أن تحديث العدالة الجنائية بالمغرب يندرج ضمن مسار استراتيجي متكامل، يجعل من مصلحة الطفل الفضلى محورا أساسيا لكل تدخل قضائي، ويكرس عدالة أكثر إنصافا ونجاعة، قادرة على تحقيق الإدماج وتعزيز الثقة في المؤسسة القضائية.

 

What's Your Reaction?

Like Like 0
Dislike Dislike 0
Love Love 0
Funny Funny 0
Angry Angry 0
Sad Sad 0
Wow Wow 0