وسيط المملكة يفكك مسار الهوية الوطنية: من الحركة الوطنية إلى الدولة الحديثة

Apr 10, 2026 - 12:06
Apr 16, 2026 - 11:03
 0  14
وسيط المملكة يفكك مسار الهوية الوطنية: من الحركة الوطنية إلى الدولة الحديثة

في محاضرة علمية احتضنتها كلية الحقوق أكدال بجامعة محمد الخامس، يوم 12 مارس 2026، قدم السيد حسن طارق، وسيط المملكة، قراءة فكرية عميقة لمسار تشكل الهوية الوطنية المغربية، مستعرضا كيف تحولت هذه الهوية من مجرد شعور تاريخي إلى مشروع سياسي ومؤسساتي يشكل أساس شرعية الدولة الحديثة.

وفي مداخلة اتسمت بالعمق التحليلي، أعاد حسن طارق طرح سؤال مركزي ظل يشغل الفكر السياسي: كيف استطاع المغرب أن يجعل من تاريخه رافعة لبناء دولة حديثة قائمة على الاستمرارية، وليس القطيعة؟

التاريخ كمدخل لفهم الدولة والهوية

أكد وسيط المملكة أن فهم المؤسسات والقانون في المغرب لا يمكن أن يتم بمعزل عن التاريخ، مشددا على أن أحد أعطاب المقاربات التقليدية يكمن في الفصل بين التخصصات، في حين أن تحليل قضايا الدولة والهوية يقتضي اعتماد مقاربة منفتحة تجمع بين التاريخ، وعلم الاجتماع، والفكر السياسي .

ودعا في هذا السياق الطلبة إلى الانفتاح على الحقول المعرفية المجاورة، معتبرا أن القراءات المتقاطعة وحدها القادرة على تفكيك الظواهر المعقدة، وفي مقدمتها مسألة الهوية الوطنية.

الوطنية المغربية: من الشعور التاريخي إلى البناء الحديث

وفي قراءته لمسار الوطنية المغربية، أوضح حسن طارق أن هذا المفهوم لا يمكن اختزاله في لحظة تاريخية واحدة، بل هو نتيجة سيرورة طويلة. فالمغاربة، حسب عدد من الدراسات التاريخية، عبروا منذ قرون عن شعور وطني، خاصة في مواجهة التهديدات الخارجية، غير أن هذا الشعور لم يتحول إلى مشروع سياسي واضح إلا خلال ثلاثينيات القرن الماضي مع بروز الحركة الوطنية .

وأشار إلى تعدد المقاربات الفكرية حول جذور الهوية المغربية، بين من يرجعها إلى الدولة الإدريسية، ومن يربطها بتطورات القرن التاسع عشر، ومن يميز – كما فعل عبد الله العروي – بين مرحلة “ما قبل الوطنية” ومرحلة “الوطنية الحديثة”.

ثلاث ركائز لصياغة الوطنية المغربية

أبرز المحاضر أن الوطنية المغربية قامت على ثلاث دعائم أساسية شكلت بنيتها العميقة:

  • توظيف الدين في التعبئة الوطنية، بما مكن من توسيع قاعدة الحركة الوطنية ونقلها من النخب إلى المجتمع؛
  • الانفتاح على الوعي العربي، مع الحفاظ على الخصوصية المغربية؛
  • استحضار عراقة الدولة وتقاليدها السياسية، خاصة من خلال رمزية العرش باعتباره تجسيدا للوحدة والسيادة.

وفي هذا الإطار، توقف عند الدور المركزي للمؤسسة الملكية، التي تحولت إلى رمز جامع للهوية الوطنية، وهو ما تجسد في إرساء طقوس سياسية موحدة مثل عيد العرش، باعتباره تعبيرا رمزيا عن وحدة الأمة واستمرارية الدولة.

من الحركة الوطنية إلى الدولة الوطنية

وسجل حسن طارق أن مرحلة الاستقلال شكلت نقطة تحول حاسمة، حيث انتقلت الوطنية من إطارها الحركي إلى إطار الدولة. فبينما عرفت خمسينيات القرن الماضي انتصار فكرة الوطنية، برزت الدولة الوطنية باعتبارها الحامل المؤسسي لهذا المشروع، والمسؤولة عن إعادة إنتاجه وترسيخه.

غير أن هذه المرحلة لم تخل من صراعات، خاصة حول تأويل شرعية الحركة الوطنية ومن يمثل امتدادها، وهو ما يعكس الطابع السياسي والرمزي لمسألة الهوية.

تحولات الهوية الوطنية: من المسيرة إلى دستور 2011

توقف المحاضر عند محطات مفصلية أعادت تشكيل النقاش حول الهوية الوطنية، من بينها بروز مطالب ثقافية جديدة خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، وعلى رأسها الحركة الثقافية الأمازيغية، التي ساهمت في توسيع النقاش حول مكونات الهوية.

كما أبرز أهمية المسيرة الخضراء سنة 1975، باعتبارها لحظة قوية لإعادة تعبئة الشعور الوطني، حيث شهدت البلاد انفجارا في المشاعر الجماعية المرتبطة بالانتماء، وأسهمت في إعادة شحن الدينامية الوطنية.

وفي السياق ذاته، اعتبر أن الفترة الممتدة بين 2001 و2011 تمثل “عشرية الاعتراف”، حيث تم خلالها إعادة التفكير في الهوية الوطنية عبر إصلاحات عميقة، توجت بدستور 2011 الذي كرس تعددية روافد الهوية المغربية، وأكد على غناها الثقافي والحضاري.

هوية متجددة ونقاش مفتوح

خلص حسن طارق إلى أن الهوية الوطنية المغربية ليست معطى ثابتا، بل عملية تاريخية مستمرة، تعيد فيها المجتمعات تعريف ذاتها وفق التحولات التي تعرفها. وأكد أن ما يميز اللحظة الراهنة هو عودة قوية للفكرة الوطنية، سواء على مستوى الوجدان الجماعي أو السياسات العمومية، خلافا لبعض الأطروحات التي بشرت بتراجعها.

وفي ختام محاضرته، شدد على أن التفكير في قضايا الوطن لا يمكن أن يكون منفصلا عن العاطفة، لكنه في الوقت ذاته يقتضي تحويل هذا الشعور إلى قدرة على التحليل والتمييز، بما يسمح بفهم أعمق لمسار تشكل الهوية الوطنية.

وتقدم هذه المحاضرة مساهمة نوعية في النقاش العمومي حول الهوية بالمغرب، من خلال إبراز تعقيداتها التاريخية، وتعدد مكوناتها، واستمرارية رهاناتها في سياق وطني ودولي متحول.

 

What's Your Reaction?

Like Like 1
Dislike Dislike 0
Love Love 0
Funny Funny 0
Angry Angry 0
Sad Sad 0
Wow Wow 0