المجلس الأعلى للسلطة القضائية يستعرض رؤيته بخصوص الديون المتعثرة

Apr 8, 2026 - 11:53
Apr 8, 2026 - 12:21
 0  14
المجلس الأعلى للسلطة القضائية يستعرض رؤيته  بخصوص الديون المتعثرة
المجلس الأعلى للسلطة القضائية يستعرض رؤيته  بخصوص الديون المتعثرة

في إطار الجهود الرامية إلى تحديث المنظومة القانونية وتعزيز نجاعة العدالة، شارك السيد الأمين العام للمجلس الأعلى للسلطة القضائية منير المنتصر بالله في أشغال الندوة الوطنية المنعقدة يومه الثلاثاء 26 مارس 2024 تحت عنوان "نجاعة الإطار القانوني لتحصيل الديون المتعثرة: التحديات العملية وآفاق التطوير"، خصصت لموضوع تحصيل الديون البنكية المتعثرة، وذلك بحضور وزير العدل وممثلي النيابة العامة والمؤسسات المالية والقطاع البنكي.

وفي كلمة ألقاها نيابة عن الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، أكد الأمين العام للمجلس  أن القروض البنكية المتعثرة لم تعد مجرد ملف تقني داخلي يهم دوائر الائتمان في المؤسسات البنكية، بل أصبحت مؤشرا حيويا على مستوى متانة المنظومة المالية الوطنية وقدرة البيئة القانونية والقضائية على مواكبة التحولات الاقتصادية المتسارعة وأورد منير المنتصر بالله أرقاما دالة تعكس حجم الظاهرة، حيث كشفت مؤشرات بنك المغرب أن نسبة القروض المتعثرة بلغت 8.6 في المائة من مجموع القروض البنكية لغاية شتنبر 2024، وهو ما يعادل قيمة مالية تصل إلى حوالي 98 مليار درهم، مع بلوغ نسبة التغطية 68.6 في المائة. وفي المقابل، ارتفعت حاجيات البنوك من السيولة التي يغطيها البنك المركزي إلى حوالي 120 مليار درهم، مما يؤكد وجود ضغط متنامٍ على التوازنات البنكية والقدرة التمويلية للمؤسسات، ويجعل من هذه الظاهرة إشكالاً هيكليا وورشا إصلاحيا يهم الاقتصاد والعدالة في آن واحد.

واسترسل الأمين العام في تحليل الدور المحوري الذي اضطلع به القضاء التجاري بالمملكة منذ إحداث المحاكم التجارية، مؤكدا أنها كانت في طليعة السلط التي واجهت بواقعية واتزان ما أفرزته الممارسة البنكية من منازعات معقدة تتداخل فيها الاعتبارات التعاقدية والمحاسبية والائتمانية والتنفيذية. 

وأوضح أن هذا القضاء استطاع أن يبني حلولا اجتهادية وازنة ويراكم خبرة عملية ثمينة في معالجة إشكالات دقيقة، منها إثبات أصل الدين ومقداره، وحجية الكشوف الحسابية والمحررات البنكية، وكيفية احتساب الفوائد والعمولات والجزاءات، بالإضافة إلى تحديد حدود رقابة المحكمة على العمليات الحسابية والتقييدات البنكية، واللجوء إلى الخبرة المحاسبية كأداة تقنية تعين القاضي على الإحاطة بعناصر النزاع.

وفي تحليل معمق للبيئة التشريعية، لفت الأمين العام الانتباه إلى أن الإشكالات التطبيقية الجزئية تكشف في جوهرها عن سؤال أعمق يتعلق بمدى كفاية النصوص العامة الحالية لاستيعاب خصوصية الدين البنكي المتعثر، خاصة عندما ينتقل من مرحلة "الائتمان النشيط" إلى مرحلة "التعثر"، حيث يتحول إلى وضعية قانونية مركبة تتشابك فيها إجراءات الإعذار وإعادة الجدولة والتسويات الممكنة مع مساطر الوقاية أو المعالجة أو التصفية القضائية. وأكد الأمين العام للمجلس أن القواعد العامة المنظمة للتنازل عن الحقوق وحوالة الدين، وإن كانت تشكل الإطار المرجعي العام، إلا أنها لا تستجيب دائما للتعقيد والمنازعات المرتبطة بضمانات وتوابع هذا الصنف من الديون، مما أوجد القضاء في حالات معينة أمام ضرورة التوفيق بين نصوص مدنية تقليدية وواقع بنكي حديث يطرح أسئلة دقيقة بشأن انتقال مركز الدائن وشروط الاحتجاج بالتفويت على المدين والكفيل.

وأشار الأمين العام إلى أن مشروع القانون المتعلق بالتفويت المباشر للديون المتعثرة يمثل أحد الأجوبة التشريعية المقترحة لسد هذه الفراغات، حيث يطمح إلى معالجة مسائل انتقال الضمانات والملاحقات وآثار التبليغ، وتأطير ذلك بضمانات مرتبطة بحماية المستهلك وحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي، ومنع أي انزلاق نحو ممارسات تحصيلية تمس بالتوازن العقدي. وأكد أن الهدف من هذا التشريع ليس فقط تسهيل تفويت الدين لتطهير الميزانيات البنكية، بل ضمان أن يتم ذلك في إطار من الشفافية والوضوح، بحيث يعرف المدين من هو دائنه الجديد وما حدود حقوقه، دون خلق مخاطر قانونية جديدة أو نقل التعثر إلى فضاءات أقل ضبطا ورقابة.

واختتم الأمين العام كلمته برسم معالم رؤية متكاملة تقوم على أربعة عناصر متلازمة: تثمين الاجتهاد القضائي التجاري، التشخيص الدقيق للفراغات القانونية، بلورة تدخلات تشريعية واضحة، ومواكبة ذلك بتعزيز التخصص القضائي وتجويد التنفيذ.

وأكد أن هذا المسار ينسجم تماما مع التوجهات الملكية السامية التي تضمنتها الرسالة التي وجهها جلالة الملك إلى المشاركين في الدورة الثانية للمؤتمر الدولي للعدالة بمراكش سنة 2019، والتي شددت على أن خلق فضاء آمن للاستثمار يفرض بذل المزيد من الجهود لترسيخ دولة القانون، وتعزيز استقلال السلطة القضائية، ودعم التنبؤ القانوني، وتأهيل الفاعلين في المجال القضائي، واعتماد مقاربة شمولية مندمجة تتعامل مع قضايا الاستثمار في مختلف جوانبها المرتبطة بالقوانين التجارية والبنكية والضريبية والعقارية، مع استحضار الأبعاد الدولية والتكنولوجية التي تفرضها عولمة التبادل التجاري والمالي.







What's Your Reaction?

Like Like 0
Dislike Dislike 0
Love Love 0
Funny Funny 0
Angry Angry 0
Sad Sad 0
Wow Wow 0