الأستاذة ليلى بنجلون: أيقونة القضاء التجاري وأول رئيسة أولى في تاريخ المغرب
على امتداد سنوات من العمل القضائي، تتشكل مسارات مهنية تترك أثرها العميق في تطوير الاجتهاد القضائي وبناء معالم القضاء المتخصص، من خلال التدرج في مختلف درجات التقاضي، والانخراط الفعلي في ممارسة المهنة القضائية، والمساهمة الفكرية في النقاشات القانونية الوطنية والدولية.
وفي هذا الإطار، تندرج تجربة القاضية ليلى بنجلون ضمن المسارات القضائية البارزة التي امتد عطاؤها لأكثر من أربعة عقود، في مسار مهني اتسم بالاستمرارية والالتزام، وبإسهام نوعي في إغناء الاجتهاد القضائي.
بدأت مهامها أواخر سنة 1971 بالمحكمة الاقليمية بفاس، في سياق مهني واجتماعي خاص، تميز بندرة حضور المرأة داخل سلك القضاء، وبطبيعة بيئة محافظة، ما جعل بداياتها محفوفة بتحديات مضاعفة. غير أن هذا السياق لم يكن عائقاً، بل شكل دافعا لترسيخ حضور مهني قائم على الجدية والاجتهاد، خاصة في مدينة عريقة تحتضن جامعة القرويين، بما تمثله من عمق علمي وفقهي.
وخلال مسارها المهني، انتقلت إلى محكمة الاستئناف بفاس سنة 1982، حيث واصلت أداء مهامها القضائية، وتدرجت في مختلف درجات المسؤولية إلى أن بلغت الدرجة الاستثنائية، في مسار يعكس تراكم خبرة رصينة واحتكاكا مستمرا بقضايا قانونية معقدة، أسهمت من خلالها في تطوير العمل القضائي.
ومع إحداث المحاكم التجارية سنة 1998، تم تعيين الأستاذة بنجلون كأول رئيسة أولى في المغرب، واضطلعت بمسؤولية ترأسها لمحكمة الاستئناف التجارية بفاس لأزيد من ستة عشر سنة، في تجربة رائدة ساهمت في إرساء دعائم القضاء التجاري بالمغرب، وتعزيز دوره في مواكبة التحولات الاقتصادية.
وقد امتد عطاؤها إلى المجال الفكري والعلمي، حيث شاركت في العديد من الندوات والمؤتمرات الوطنية والدولية، خاصة تلك المرتبطة بالمادة التجارية، مسهمة بأفكارها وتحليلاتها في إغناء النقاش القانوني وتعزيز الفهم العملي للإشكالات المرتبطة بالقضاء التجاري.
وقد استمرت هذه المسيرة المهنية إلى غاية فاتح غشت 2014، بعد ما يناهز اثنتين وأربعين سنة ونصف من العمل القضائي الجاد، الذي اتسم بالتفاني والإخلاص، في مسار لم يكن سهلا، لكنه كان حافلا بالعطاء والتقدير.
وتقديرا لهذا المسار المتميز، حظيت بتوشيحها بالوسام الملكي الشريف من درجة فارس سنة 2003، ثم من درجة ضابط سنة 2013، كما تم تخويلها صفة قاضية شرفية بعد موافقة الجناب الشريف أسماه الله واعز أمره بتاريخ 2015.
إن تجربة القاضية ليلى بنجلون تجسد نموذجا للقاضية التي جمعت بين الصرامة المهنية والإسهام الفكري، وأسهمت بشكل فعلي في ترسيخ القيم القضائية النبيلة، كما شكلت أحد النماذج الملهمة في تعزيز حضور المرأة القيادية داخل المنظومة القضائية المغربية.
What's Your Reaction?
Like
0
Dislike
0
Love
0
Funny
0
Angry
0
Sad
0
Wow
0