محمد عبد النباوي: العقوبات البديلة ثورة حقيقة للسياسة العقابية ببلادنا
في سياق الإصلاح العميق الذي يشهده مجال السياسة العقابية، تكتسي الكلمة التي ألقاها السيد الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية خلال افتتاح اليومين الدراسيين حول العقوبات البديلة، المنظمة من طرف رئاسة النيابة العامة بشراكة مع مجلس أوروبا يوم 07 ماي 2025 بالرباط، أهمية خاصة، بالنظر لما حملته من تأطير فلسفي وقضائي للتحول الذي أقره القانون رقم 43.22، وما أبرزته من رهانات عملية مرتبطة بتطبيق العقوبات البديلة وشروط نجاحها، والدور المحوري للقضاة وباقي المتدخلين في إنجاح هذا الورش الوطني.
وفي مستهل كلمته، استحضر السيد الرئيس المنتدب التطور التاريخي لفلسفة العقاب، مبرزا أن العقوبة ظلت، عبر مختلف الحقب، موضوع نقاش داخل المجتمعات، قبل أن يتبلور في العصر الحديث تصور جديد يجعل من الغاية الأساسية للعقوبة إصلاح سلوك المحكوم عليه وملاءمته مع القيم العامة للمجتمع، وفي هذا الإطار، أوضح أن العقوبة السالبة للحرية أنيطت بها، نظريا، مهمة إعادة تربية الجانحين، وهو ما دفع الإنسانية، خاصة بعد الحرب العالمية الثانية، إلى السعي نحو أنسنة السجون وجعلها فضاءات لتقويم السلوك وإعادة الإدماج.
غير أن السيد الرئيس المنتدب توقف عند محدودية هذا النموذج، مشيرا إلى أن ارتفاع كلفة السجون، وتفاقم الإكراهات النفسية والاجتماعية والاقتصادية المرتبطة بها، فضلا عن الاكتظاظ ونقص التأطير وتعقد شروط الحراسة والمراقبة، كلها عوامل أضعفت من نجاعة العقوبات السالبة للحرية في تحقيق الغاية الإصلاحية المرجوة، وأمام هذه الإكراهات، يضيف المتحدث، اتجهت المجتمعات إلى البحث عن بدائل أكثر فعالية وأقل كلفة.
وفي هذا السياق، أبرز السيد الرئيس المنتدب أن التشريع المغربي التحق بركب التشريعات الحديثة التي اعتمدت نظام العقوبات البديلة، باعتبارها عقوبات تنفذ خارج الفضاءات السجنية المغلقة، وفي إطار يحافظ، إلى حد كبير، على النمط العادي لحياة المحكوم عليه، وأكد أن الدراسات المقارنة والمتابعات الميدانية أثبتت أن نتائج العقوبات البديلة أجود من نتائج العقوبات الحبسية، سواء من حيث الحد من العود إلى الإجرام أو من حيث الأثر الاجتماعي والاقتصادي.
وأوضح في هذا الصدد أن انخفاض نسب العود سجل بشكل ملحوظ لدى الأشخاص الذين خضعوا لعقوبات بديلة مقارنة بمن نفذوا عقوبات سالبة للحرية، كما أن العقوبات الاجتماعية أبانت عن فعالية خاصة في بعض القضايا المرتبطة بالإدمان، حيث سجل تحرر نسب أكبر من الإدمان لدى المستفيدين من برامج علاجية مقارنة بمن حكم عليهم بعقوبات حبسية، وأضاف أن العقوبات البديلة أقل كلفة على المجتمع، وقد تصل في بعض الحالات إلى عشرة أضعاف أقل من كلفة السجن، بل إن بعضها، كالغرامة اليومية، لا يشكل عبئا على المال العام.
وانطلاقا من هذه المعطيات، شدد السيد الرئيس المنتدب على أن التجارب المقارنة التي راكمتها الأنظمة القضائية خلال العقود الأربعة الماضية تؤكد إمكانية تحقيق نتائج أفضل بتكاليف أقل من خلال العقوبات البديلة، وهو ما يفرض، حسب تعبيره، انخراطا كاملا ومسؤولا في تطبيق المقتضيات القانونية الجديدة، وأبرز أن نجاح المشرع في بلورة هذه الفلسفة عبر المصادقة على القانون، واستعداد الحكومة لتعبئة الإمكانيات اللازمة، يضعان على عاتق النظام القضائي مسؤولية الاستعداد الجيد للتنزيل.
وفي هذا الإطار، نوه السيد الرئيس المنتدب بمبادرة رئاسة النيابة العامة لتنظيم هذه الندوة بشراكة مع مجلس أوروبا، مثمنا انخراط مختلف السلطات المشاركة، ولاسيما وزارة العدل والمندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج، باعتبارهما شريكين أساسيين للسلطة القضائية في إنجاح تطبيق النص القانوني المتعلق ببدائل العقوبات السالبة للحرية، كما أكد أن جهات إدارية ومؤسساتية أخرى مدعوة للاضطلاع بدورها، خاصة وأن بعض العقوبات البديلة تتطلب مشغلين وداعمين، معربا عن أمله في أن تنخرط مختلف القطاعات في دعم هذه الفلسفة العقابية التي وصفها بـ«الثورة الحقيقية في السياسة العقابية ببلادنا»، والتي تتم بإرادة سامية لجلالة الملك محمد السادس نصره الله وبانخراط شامل لمختلف سلطات الدولة.
وفي معرض حديثه عن مرحلة التنفيذ، أوضح السيد الرئيس المنتدب أن دور السلطة القضائية في تطبيق القانون الجديد سينطلق ابتداء من ثامن غشت، مبرزا أن المرحلة الراهنة تشهد تعبئة مشتركة بين السلطة القضائية والقطاعات الحكومية المعنية، خاصة وزارة العدل والمندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج، لتهيئة القضاة وأطر كتابة الضبط والأطر السجنية لحسن التطبيق، وفي هذا السياق، أكد أن غاية المشرع من إقرار العقوبات البديلة تقتضي تخصيصها كبديل حقيقي للعقوبات الحبسية، وعدم الحكم بها في الحالات التي لم يكن فيها المحكوم عليه معرضا أصلا لعقوبة سالبة للحرية.
وشدد السيد الرئيس المنتدب على أن القضاة، وهم يمارسون سلطتهم التقديرية، مطالبون باختيار العقوبة البديلة المناسبة لكل حالة، بما يحقق الردع المتوخى، مؤكدا في الوقت ذاته أن نجاح هذا الورش يظل رهينا بانخراط المجتمع وقبوله استبدال العقوبات السالبة للحرية بالعقوبات البديلة المستحدثة، انسجاما مع فلسفة المشرع التي ترمي إلى حصر اللجوء إلى الحبس في الحالات التي لا تجدي فيها البدائل.
وفي ختام كلمته، دعا السيد الرئيس المنتدب إلى منح هذا التشريع الوقت الكافي للتطبيق والتقييم، واكتساب الخبرة العملية، وإنجاز الدراسات اللازمة للوقوف على مكامن القوة ونقط التحسين، مؤكدا أن المجلس الأعلى للسلطة القضائية سيكون من بين الجهات المعنية بتتبع هذا المسار واستخلاص الدروس منه، كما جدد دعوته إلى القضاة وكافة الشركاء إلى تعزيز التنسيق والتعاون من أجل الاستعداد الجيد لتطبيق القانون رقم 43.22، مجددا شكره لرئاسة النيابة العامة ولكافة المتدخلين، ومعربا عن أمله في أن تكلل هذه الجهود بالتوفيق والنجاح.
What's Your Reaction?
Like
0
Dislike
0
Love
0
Funny
0
Angry
0
Sad
0
Wow
0